قمة الإعلام العربي فكرة توهجت وأضحت محط الأنظار

تنطلق في دبي اليوم «قمة الإعلام العربي 2026»، لتفتح فصلاً جديداً في مسيرة مشروع إعلامي بدأ قبل نحو 25 عاماً بمنصة للحوار المهني، وتدرج في توسعه وتأثيره حتى أصبح اليوم منظومة إعلامية متكاملة تجمع تحت مظلتها أكثر من عشرة منتديات وفعاليات متخصصة.

في تحول يعكس اتساع صناعة الإعلام نفسها وتداخلها مع التكنولوجيا والاقتصاد وصناعة المحتوى والاتصال الحكومي والأفلام والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.

وتقام القمة تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وبتوجيهات سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام، على مدار ثلاثة أيام، بمشاركة نخبة واسعة من رموز السياسة والثقافة والإعلام، ورؤساء التحرير وقيادات المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى والمؤثرين وخبراء التكنولوجيا الإعلامية والأكاديميين من دولة الإمارات ومختلف أنحاء العالم العربي والعالم.

10 منتديات

وتأتي الدورة الحالية بحجم مختلف عن الدورات السابقة، إذ تنتقل القمة إلى مرحلة أكثر اتساعاً وتنوعاً وبعداً عالمياً، من خلال جمع ما يقارب 10 منتديات وفعاليات متخصصة تحت مظلة واحدة، في صيغة تنظر إلى الإعلام بوصفه منظومة مترابطة تتجاوز حدود المؤسسات والمنصات التقليدية.

وتفتح المجال أمام تخصصات وقوى جديدة أصبحت شريكاً أساسياً في تشكيل المشهد الإعلامي وصناعة التأثير. وتضم المظلة الموسعة «منتدى الإعلام العربي»، و«منتدى الاتصال الحكومي»، و«المنتدى الإعلامي العربي للشباب»، و«منتدى الألعاب الإلكترونية»، و«منتدى الأفلام».

و«قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب»، إلى جانب منتديات تقام بالشراكة مع مؤسسات إعلامية عالمية، من بينها وكالة «رويترز» وصحيفة «فاينانشال تايمز»، فضلاً عن فعاليات إعلامية مصاحبة وجلسات تدريب وورش متقدمة بالتعاون مع جهات إقليمية ودولية وكبرى الشركات العاملة في التكنولوجيا الرقمية.

ويمنح هذا التنوع القمة بعداً يتجاوز مناقشة قضايا الإعلام بصورتها التقليدية، إلى قراءة منظومة صناعة المحتوى والتأثير بكامل مكوناتها، في وقت تشهد فيه المهنة تغيرات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وتغير أنماط استهلاك الجمهور للمعلومات، وصعود منصات وأشكال جديدة للتواصل، بما يجعل من القمة مساحة لبحث العلاقة بين الإعلام والقطاعات الحيوية المؤثرة في حياة الإنسان العربي.

تحولات جيوسياسية وتقنية

ويكتسب انعقاد القمة هذا العام أهمية خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والتطور غير المسبوق في التقنيات الإعلامية، وما تفرضه هذه المتغيرات من أسئلة حول مستقبل المؤسسات الإعلامية، وقدرتها على الحفاظ على المصداقية والتأثير، ومواكبة التحولات التقنية دون التخلي عن المعايير المهنية والأخلاقية.

ومن هذا المنطلق، تتسع أجندة القمة لتناقش الإعلام باعتباره شريكاً في التنمية وصناعة الوعي واستشراف المستقبل، وليس مجرد ناقل للأحداث، بما يتوافق مع رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في الارتقاء بالإعلام العربي وتعزيز قدرته على خدمة الإنسان والمجتمع، ودعم مسارات التنمية والاستقرار، وبناء خطاب قادر على فهم التحولات الكبرى والتعامل معها.

كما تعزز الشراكات مع مؤسسات إعلامية دولية البعد العالمي للقمة، وتفتح مساحة أوسع أمام تبادل الخبرات بين المؤسسات العربية ونظيراتها الدولية، في خطوة ترسخ مكانة دبي منصة للحوار الإعلامي ومركزاً يجمع صناع القرار والخبرات والقيادات المهنية لمناقشة أبرز القضايا التي تواجه القطاع.

البداية من منتدى الإعلام

ويأتي هذا الاتساع امتداداً لمسيرة طويلة من التطوير والتجديد، إذ لم تصل القمة إلى صيغتها الموسعة في دورتها الجديدة دفعة واحدة، بل تشكلت ملامحها عبر أكثر من عقدين من العمل الإعلامي المتواصل.

بدأت فصوله مع إطلاق «منتدى الإعلام العربي» عام 2001، قبل أن تتسع دائرة حضوره وموضوعاته ومكوناته عاماً بعد آخر، وصولاً إلى تحوله من منتدى رئيس للحوار حول قضايا المهنة إلى ركيزة ضمن مظلة إعلامية أشمل تجمع اليوم مختلف مسارات صناعة الإعلام والمحتوى.

وجاء إطلاق المنتدى ضمن مشروع أوسع لتطوير البيئة الإعلامية، سبقه تأسيس نادي دبي للصحافة، وتكامل لاحقاً مع مجموعة من المبادرات، من بينها جائزة الصحافة العربية، في مرحلة كانت المنطقة تشهد خلالها تحولات سياسية وتقنية ومهنية عميقة.

فيما بدأت دبي مبكراً بناء بنية إعلامية قادرة على استقطاب المؤسسات والكفاءات وصناعة منصات للحوار. ومنذ دورته الأولى، لم يتعامل المنتدى مع الإعلام باعتباره قطاعاً منعزلاً عما يجري حوله، وإنما قرأ من خلاله التحولات الكبرى في المنطقة والعالم،.

وطرحت دوراته المبكرة إشكاليات الخطاب العربي في الغرب، والحوار بين الإعلام العربي والغربي، قبل أن تتوسع النقاشات لتشمل الإعلام والحرب، ودوره في نقل الحقيقة خلال الأزمات، وقضايا التحيز والتضليل، والأزمات الإنسانية، وتأثير الإعلام الرقمي في الوسائل التقليدية، وصولاً إلى الأسئلة المتعلقة بمستقبل الخبر والمحتوى.

أجندة تتغير مع المشهد

وعلى مدار السنوات، تحولت أجندة المنتدى بالتوازي مع تغير المشهد العربي والعالمي، فحضرت على منصاته المتغيرات السياسية والاجتماعية.

ومفاهيم السعادة والإيجابية والسلام واستشراف المستقبل والعمل العربي المشترك، إلى جانب قضايا مهنية تتصل بمصداقية الإعلام، والتدريب، والعلاقة بين الإعلام الحكومي والخاص، ودور المرأة في القطاع، وظهور التدوين وبرامج الواقع وصحافة «التابلويد».

ولم يقتصر المنتدى على مناقشة التحولات، بل حاول تقديم أدوات تساعد القطاع على فهم واقعه وتطويره، وكان تقرير «نظرة على الإعلام العربي» أحد أبرز النماذج في هذا الجانب، من خلال الأبحاث التطبيقية على المؤسسات الإعلامية العربية ورصد مكامن القوة والضعف وفرص تطوير الكفاءات والمؤسسات.

ومع تسارع الثورة الرقمية، انتقلت التكنولوجيا تدريجياً من كونها موضوعاً ضمن أجندة المنتدى إلى عنصر رئيس في معظم نقاشاته، إذ تناولت دوراته تكامل الإعلام العربي مع التكنولوجيا.

والتحولات التي طرأت على القوالب التقليدية، وتأثير الأدوات الرقمية في علاقة المؤسسات بالجمهور، وتسرب الكفاءات، ودور القطاعين الحكومي والخاص في دعم الصناعة.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي وتوسع اقتصاد صناع المحتوى والمؤثرين، أصبحت حدود المهنة نفسها موضع نقاش، خصوصاً مع بروز أصوات جديدة تمتلك جماهير واسعة وقدرة كبيرة على التأثير والتوجيه خارج الهياكل التقليدية للمؤسسات الإعلامية، وهو ما فتح الباب أمام إعادة النظر في مفهوم «الإعلامي» وطبيعة المهارات المطلوبة في العصر الرقمي.

الإعلام وصناعة القرار

وفي موازاة التحولات التقنية، حافظ المنتدى على دوره كمساحة تجمع القيادات الحكومية والإعلامية، وتبحث فرص التعاون والشراكات الداعمة للأهداف التنموية في المنطقة.

كما استضاف عبر دوراته مسؤولين ورؤساء حكومات ووزراء ومفكرين وكتاباً ورؤساء تحرير وقيادات تنفيذية وممثلي وكالات أنباء عربية وعالمية، ما منحه موقعاً يتجاوز حدود المؤتمر المهني إلى منصة للحوار بين الإعلام وصناعة القرار.

وأسهم هذا الحضور في تحويل المنتدى إلى أحد أكبر التجمعات الإعلامية في المنطقة، إذ يجمع آلاف الإعلاميين والخبراء، ويوفر مساحة لتبادل الخبرات وفتح قنوات الحوار بين الشرق والغرب وتقريب وجهات النظر حول قضايا ظلت لسنوات محل جدل في الساحة الإعلامية.

وكانت قدرة المنتدى على التجدد أحد العوامل التي حافظت على حضوره طوال أكثر من عقدين، إذ لم تبقَ مكوناته ثابتة، بل تطورت بالتزامن مع التحولات التي شهدتها الصناعة، مع استمرار الجمع بين الحوار المهني والتحليل والاستشراف والتدريب والتفاعل المباشر بين أجيال مختلفة من الإعلاميين.

وامتد هذا الاهتمام إلى الأجيال الجديدة من خلال إشراك طلبة الجامعات وكليات الإعلام في عدد من ورش العمل والفعاليات، إلى جانب مشاركة الشباب والشابات الإماراتيين في تنظيم الحدث، بما جعل المنتدى مساحة لا تقتصر على القيادات والخبرات الراسخة، وإنما تفتح المجال أمام المواهب الجديدة للاحتكاك المباشر بالمشهد الإعلامي وقضاياه.

من منتدى لمظلة أوسع

ومع اتساع التحولات، باتت الموضوعات التي يناقشها المنتدى أكبر من أن تبقى محصورة في إطار إعلامي واحد، فإلى جانب الصحافة والتلفزيون، برزت قضايا التمويل الإعلامي.

وتغير سلوك الجمهور، وصناعة المحتوى الرقمي، والمؤثرون، والذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية، والأفلام والاتصال الحكومي، وهي مجالات تتقاطع جميعها في صناعة الرأي والمحتوى والتأثير.

ومن هنا بدأ الانتقال من مفهوم المنتدى الواحد إلى المظلة الأوسع، ففي عام 2024 أُدرج «منتدى الإعلام العربي» ضمن فعاليات «قمة الإعلام العربي»، لتبدأ مرحلة جديدة تستوعب التحولات التي شهدتها الصناعة.

وتحافظ في الوقت نفسه على المنتدى بوصفه أحد المكونات الرئيسة للمشروع الإعلامي الذي انطلق من دبي عام 2001.

واليوم، تذهب دورة 2026 بهذه الخطوة إلى مدى أبعد، إذ لم تعد القمة مجرد إطار تنظيمي يضم المنتدى وبعض الفعاليات.

وإنما أصبحت منظومة موسعة تحتضن تخصصات ومنصات متعددة، وتجمع الإعلام التقليدي والرقمي وصناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية وصناع المحتوى والاتصال الحكومي والتكنولوجيا ضمن مساحة واحدة.

ويعكس هذا التحول مسيرة تطور امتدت لأكثر من عقدين، فمن منتدى بدأ بطرح أسئلة الإعلام العربي ومناقشة تحدياته، إلى قمة تبحث اليوم منظومة التأثير كاملة، مع بقاء الهدف الأساسي المتمثل في توفير مساحة للحوار المهني وقراءة المتغيرات واستشراف ما ينتظر الصناعة.

جائزة الإعلام العربي

ويأتي هذا التطور امتداداً لدور المنتدى في رصد الواقع الإعلامي العربي وتحليله ومواكبة تحولاته، إذ أثبت عبر دوراته قدرته على الانتقال من قضية إلى أخرى بالتوازي مع حركة المجتمع والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، وتحول من لقاء سنوي لمناقشة واقع المهنة إلى منصة تتابع تغير شكل الإعلام نفسه.

وتضيف دورة العام الجاري بعداً آخر إلى هذه المسيرة باحتفاء «قمة الإعلام العربي 2026» باليوبيل الفضي لـ«جائزة الإعلام العربي»، في محطة تستعيد 25 عاماً من تكريم التميز والإبداع في القطاع، وتربط بين مسارين انطلقا ضمن المشروع الإعلامي لدبي وتطورا مع تغير الصناعة.

فالجائزة التي أطلقت عام 1999 بمبادرة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بدأت تحت اسم «جائزة الصحافة العربية»، بهدف دعم تطور الصحافة وتكريم المبدعين وتحفيزهم على خدمة قضايا مجتمعاتهم .

وإيصال الصوت العربي إلى العالم، قبل أن تمر بسلسلة من المراحل التطويرية التي وسعت نطاقها وفئاتها وآليات التحكيم فيها. وشملت تلك التحولات إدخال الصحافة الإلكترونية، واستحداث فئات للصحافة الاستقصائية والشبابية والإنسانية والذكية.

وتطوير آليات التحكيم والفرز، قبل أن تشهد عام 2021 تحولاً رئيساً من «جائزة الصحافة العربية» إلى «جائزة الإعلام العربي»، لتشمل الإعلام المرئي والرقمي إلى جانب الصحافة، في خطوة عكست بدورها التغير الذي أصاب مفهوم الإعلام وحدوده.

القمة حصيلة مسار متدرج

وبذلك تبدو قمة 2026 حصيلة مسار متدرج لم يكتفِ بالمحافظة على منصة إعلامية انطلقت قبل أكثر من عقدين، وإنما أعاد تطويرها كلما تغيرت الصناعة من حولها، فالمنتدى الذي بدأ في 2001 لمناقشة قضايا الإعلام العربي أصبح جزءاً من قمة واسعة.

والجائزة التي بدأت لتكريم الصحافة المكتوبة توسعت لتشمل قطاعات الإعلام المختلفة، فيما أصبحت التكنولوجيا وصناعة المحتوى والمنصات الجديدة مكونات أصيلة في المشهد.

ويمنح جمع هذه المسارات تحت مظلة واحدة القمة قدرة أكبر على قراءة صناعة لم تعد فيها الحدود واضحة بين الصحافي وصانع المحتوى، وبين المؤسسة الإعلامية والمنصة الرقمية، وبين الإعلام والتكنولوجيا والترفيه والاتصال.

وهو ما يفسر الانتقال من حدث يقوم على منتدى رئيس إلى قمة تستضيف مجموعة واسعة من المنتديات المتخصصة والشراكات الدولية.

وبعد أكثر من عقدين من انطلاق منتدى الإعلام العربي، تدخل المنصة التي بدأت من دبي مرحلة جديدة في مسيرتها، محافظة على جوهرها القائم على الحوار واستشراف المستقبل.

لكنها تتسع اليوم بقدر اتساع مفهوم الإعلام نفسه، لتتحول من منتدى يناقش تحولات المهنة إلى قمة تجمع تحت سقف واحد الأطراف التي أصبحت تصنع تلك التحولات، وترسم من دبي ملامح المرحلة المقبلة للإعلام العربي.

واكبت التحولات من الإعلام التقليدي إلى الذكاء الاصطناعي وصعود صناع المحتوى والمؤثرين

دبي تجمع تحت سقف واحد الصحافة والمنصات الرقمية والأفلام والألعاب والاتصال الحكومي وصناعة التأثير

فتح المجال أمام تخصصات وقوى جديدة أصبحت شريكاً أساسياً في تشكيل المشهد الإعلامي وصناعة التأثير