محمد بن راشد يعيد هندسة الإعلام العربي

حين وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، اللبنات الأولى لنادي دبي للصحافة وجائزة الصحافة العربية في نوفمبر 1999.

لم يكن الهدف مجرد إضافة منصة تكريم بروتوكولية إلى روزنامة العمل المهني، بل كان تدشيناً لمشروع استراتيجي متكامل لإعادة هندسة البيئة الإعلامية في المنطقة بأسرها.

اليوم، ومع إتمام هذا الحراك ربع قرن من التأثير والنضج المهني عبر «قمة الإعلام العربي» و«جائزة الإعلام العربي»، يتجلى الأثر العميق لتلك الرؤية التي لم تكتفِ بمواكبة التحولات، بل استبقتها وصنعت مساراتها، محوّلةً دبي من عاصمة اقتصادية عالمية إلى المركز العصبي والموجه الفكري لصناعة الرأي والمحتوى في العالم العربي.

رؤية القائد

انطلقت فكرة الجائزة والمنتدى من إيمان مبكر ومستدام لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، بأن التنمية الشاملة والنهضة الحقيقية لا يمكن أن تكتمل دون إعلام مهني، نزيه، ومسؤول.

وفي مرحلة كانت فيها غرف الأخبار العربية تعاني من محدودية الموارد وندرة منصات التقييم المستقلة، جاءت مبادرة دبي لتمنح الصحافي العربي مظلة مهنية تعترف بقيمته، وتوفر له التقدير المستحق، وتضع معايير دقيقة للاحتراف والنزاهة والبحث عن الحقيقة.

في هذا السياق، يؤكد الإعلامي علي شهدور، رئيس التحرير الأسبق لـ«البيان»، أن انطلاق الجائزة في نوفمبر 1999 بناءً على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، شكّل «الحافز الرئيس لتطوير قطاع الصحافة ليس في الإمارات فقط، بل في الوطن العربي بأكمله».

مشيراً إلى أن الأثر كان كبيراً وممتازاً في إطلاق إبداعات الصحفيين والمؤسسات التي يعملون بها على مدار السنوات الـ25 الماضية.

من جانبه، يرى الكاتب والإعلامي علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، أن الجائزة، بعد ربع قرن من العطاء، تواصل أداء رسالتها مستندة إلى رؤية سموه الذي آمن ويؤمن دائماً بأن «الإعلام شريك أصيل في التنمية وصناعة المستقبل».

موضحاً أنها «لم تكن مجرد مناسبة سنوية لتكريم الفائزين، وإنما مشروع عربي متكامل يحتفي بالكلمة المسؤولة، ويعزز التنافس المهني، ويدفع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى تطوير أدواتهم ومضامينهم».

علامة فارقة

لم تكن استمرارية الجائزة طوال ربع قرن أمراً اعتيادياً في منطقة شهدت تحولات جيوسياسية كبرى، بل عكست متانة الالتزام المؤسسي لدبي تجاه الإعلام العربي وقضاياه.

وحول هذه الديمومة والصفة الهيكلية للجائزة، يوضح الأديب والإعلامي عبدالحميد أحمد، الأمين العام لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، أن الجائزة شكلت «علامة فارقة في المشهد الإعلامي العربي منذ انطلاقتها»،.

موضحاً أنها «كانت الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي من حيث الحجم والشمولية والصفة المؤسسية، إذ تجاوزت الإطار المحلي لتستهدف كافة الإعلاميين والكُتّاب الصحافيين في مختلف وسائل الإعلام».

ويضيف عبدالحميد أحمد أن استمرارية هذه المبادرة وتطورها المستمر على مدى ربع قرن يمثل بحد ذاته إنجازاً استثنائياً، «خصوصاً في ظل الظروف السياسية والتحولات الحادة التي مرت بها المنطقة العربية.

والتي أدت إلى تراجع أو توقف كثير من المبادرات الإعلامية والثقافية والاجتماعية المماثلة»، مؤكداً أن دبي استطاعت الحفاظ على بوصلتها الثابتة في دعم الحوار وحماية التميز المهني.

محطات تحول

واكب تاريخ الجائزة مراحل مفصلية غيرت المفاهيم الكلاسيكية للصحافة، حيث تدرجت عبر ثلاث محطات تاريخية رئيسية:

مرحلة التأسيس وتكريس الرصانة (1999 - 2010): ركزت الجائزة على حماية الصحافة المكتوبة وترسيخ التحقيقات الاستقصائية والتحليلات السياسية والاقتصادية المعمقة، وأرست قواعد الفرز المستقل المحجوب الأسماء.

مرحلة الانفتاح الاتصالي (2011 - 2020): استوعبت المنظومة صعود الصحافة الإلكترونية والمنصات الذكية، وفتحت نقاشات واسعة لحماية غرف الأخبار من الانجراف وراء التسطيح التواصلي.

التحول الشامل إلى «جائزة الإعلام العربي» (2021 وما بعدها): تنفيذاً لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وبمتابعة سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام، أعيدت هيكلة الجائزة لتشمل قطاعات الصحافة المكتوبة.

والإعلام المرئي (البرامج المتخصصة والأفلام الوثائقية)، والإعلام الرقمي (المنصات الاقتصادية والرياضية والإخبارية).

ويرى علي شهدور أن نقلة 2021 بالتحول إلى «جائزة الإعلام العربي» أحدثت أكبر قفزة نوعية في مسار المهنة، إذ أصبحت الجائزة أكثر شمولية باحتضانها الشاشات والمنصات الحديثة.

ما حرّك إبداعات الصحافيين لتقديم «رسالة عربية نوعية ترتقي بإعلامنا لمصاف الإعلام الدولي وتضعه في مراكز متقدمة عالمياً، مدعومة بمبادرات رائدة يقودها نادي دبي للصحافة لمواكبة تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مفاصل العمل».

أثر مهني

أحدثت معايير الجائزة تحولاً جذرياً في أسلوب عمل صالات التحرير العربية، إذ أعادت الاعتبار للتحقيق الاستقصائي الميداني وللصحافة التخصصية كالاقتصاد والبيئة والعلوم بعدما كانت التغطيات تقتصر على البيانات الجاهزة.

وحول هذا البعد الميداني والتحكيمي، يستحضر علي عبيد الهاملي تجاربه في لجان التحكيم قائلاً: «أتاحت لي تجربتي مع الجائزة الاقتراب من نماذج متميزة وتجارب صحفية متنوعة عكست ما يملكه الإعلام العربي من كفاءات قادرة على الإبداع والتجدد».

ويشدد الهاملي على أن الجائزة رسخت ثقافة التميز في الإعلام المحلي وشجعت الصحافيين الإماراتيين والمقيمين على العمق والابتكار، متمنياً استمرار تصاعد حضور الصحافة الإماراتية في الدورات القادمة. كما يشير إلى أن التجربة كرست مفهوماً أصيلاً:

«الصحافة الحقيقية لا تُقاس بسرعة انتشارها وحدها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، وخدمة المجتمع، وصناعة الوعي، والمحافظة على أخلاقيات المهنة».

وهو ما يتفق معه عبدالحميد أحمد، مؤكداً أن تجربة التحكيم إلى جانب زملاء من مختلف الأطياف والمدارس العربية عززت الرصيد المعرفي للمحكمين وفتحت مداركهم على غزارة الطاقات التحريرية والتجديد المستمر في المنصات الإلكترونية والمرئية إلى جانب المطبوع.

مستقبل الإعلام

لا يقف الاحتفاء بمرور ربع قرن عند استذكار الإنجازات السابقة؛ فالصناعة تواجه اليوم اختبارات مصيرية تفرضها خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتدفق البيانات وشبكات التواصل.

وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يرى علي عبيد الهاملي أن التحدي الأكبر يتمثل في «مواكبة التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على جوهر الصحافة ورسالتها الإنسانية، وسط منافسة شرسة تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي»، مؤكداً أن الجائزة تمتلك الثقل الكافي لقيادة هذا التوازن وحماية الكلمة الرصينة.

تثبت تجربة 25 عاماً أن رعاية دبي لقطاع الإعلام لم تكن مناسبة عابرة، بل استثمار استراتيجي في بناء الإنسان وتطوير المعرفة؛ لتبقى جائزة الإعلام العربي صمام أمان مهني يجدد الثقة بالكلمة الموثوقة.

ويرسخ مكانة دبي عاصمةً لا تلتقي فيها العقول لمناقشة الحاضر فحسب، بل لتصميم مستقبل الإعلام العربي بثقة واقتدار.

النهضة الشاملة لا يمكن أن تكتمل دون إعلام مهني نزيه ومسؤول

دبي مركز عصبي وموجه فكري لصناعة الرأي والمحتوى العربي

منح الصحافي العربي مظلة مهنية تعترف بقيمته وتوفر له التقدير المستحق

وضع معايير دقيقة للاحتراف والنزاهة والبحث عن الحقيقة