دبي - رحاب حلاوة - سارة الكواري
أعادت دبي رسم خريطة الإعلام العربي، بعدما انتقلت خلال مسيرة تجاوزت ربع قرن من بناء بيئة جاذبة للمؤسسات والكفاءات الإعلامية إلى صناعة منظومة فكرية وإبداعية متكاملة، جعلت منها مركزاً تتقاطع فيه المعرفة مع الممارسة، والإعلام مع التكنولوجيا.
والفكر مع الإبداع، والخبرة العربية مع التجارب العالمية، لتصبح الإمارة اليوم محوراً رئيسياً للجهود الرامية إلى تطوير الإعلام العربي وتعزيز قدرته على مواكبة التحولات المتسارعة في صناعة المحتوى والاتصال.
وأكد رؤساء جامعات وأكاديميون وخبراء وقيادات إعلامية لـ«البيان» أن المكانة التي حققتها دبي تجاوزت مفهوم استضافة المؤسسات والفعاليات الكبرى، لتؤسس نموذجاً يقوم على إنتاج الأفكار.
واستقطاب العقول والخبرات، وبناء مجتمع إعلامي وإبداعي متنوع، وربط الإعلام بالبحث والتعليم والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية، بالتوازي مع الاستثمار في الإنسان وصناعة المواهب القادرة على قيادة التحولات المقبلة.
وأوضحوا أن دبي باتت نقطة التقاء عربية لمناقشة القضايا التي تحدد اتجاه الصناعة، وجسراً يصل الإعلام العربي بالتجارب العالمية، معتبرين أن أبرز ما يميز تجربتها هو انتقالها من مواكبة التحولات إلى استشرافها، ومن استضافة الحوار إلى الإسهام في صناعة أجندته.
ومن استقطاب المؤسسات إلى بناء مجتمع فكري ومهني تتفاعل داخله الخبرات والمواهب والأفكار، مستفيدة من تراكم خبرات أكثر من ربع قرن في بناء البنية التحتية الإعلامية واستقطاب المؤسسات العربية والعالمية، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وصناعة المعرفة والمواهب في منظومة واحدة تعمل على تطوير الإعلام وصناعة مستقبله.
وأكد الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، أن المكانة الإعلامية التي رسختها دبي عربياً لم تُبنَ على عدد المؤسسات والمنصات والفعاليات التي تستضيفها فحسب، وإنما على قدرتها على صناعة البيئة التي تولد فيها الأفكار، وتلتقي فيها العقول والخبرات، وتتحول فيها المعرفة إلى مبادرات وتأثير.
وقال: «المركز الإعلامي الحقيقي لا يُقاس بعدد وسائل الإعلام الموجودة فيه، بل بقدرته على التأثير في اتجاه الإعلام نفسه.
ودبي انتقلت مبكراً من استضافة الإعلام إلى الإسهام في صناعة مستقبله، من خلال منظومة تجمع الإعلام بالمعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والإبداع، وتفتح المجال أمام الخبرات العربية والعالمية للحوار والتجريب وصناعة الجديد».
وأضاف أن التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا تجعل بناء الإنسان الإعلامي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
موضحاً أن مستقبل الإعلام لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل قدرة الإنسان على توظيفها بوعي ومهنية ومسؤولية، وعلى التمييز بين وفرة المحتوى وقيمة المعرفة.
وأشار إلى أن قمة الإعلام العربي تعكس هذا الدور المتنامي لدبي، ليس باعتبارها مكاناً تجتمع فيه القيادات والمؤسسات الإعلامية العربية فحسب، وإنما منصة يلتقي فيها الفكر الإعلامي العربي لمناقشة مستقبله والانفتاح على التحولات العالمية.
واختتم قائلاً: «لقد نجحت دبي في أن تكون ملتقى للإعلام العربي، لكن طموحها يتجاوز ذلك. القيمة الحقيقية اليوم هي أن تكون مكاناً تُطرح فيه الأسئلة التي ستحدد شكل الإعلام غداً، وتُبنى فيه القدرات القادرة على الإجابة عنها».
ملتقى العقول
من جانبه، أكد الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، أن المكانة التي وصلت إليها دبي على خريطة الإعلام العربي لم تأتِ نتيجة حدث أو مؤسسة واحدة، وإنما هي حصيلة رؤية طويلة المدى قامت على بناء منظومة تجمع المعرفة والتعليم والإعلام والتكنولوجيا والابتكار في بيئة واحدة.
ولفت إلى أن هذه القدرة على الربط بين قطاعات متعددة منحت دبي ميزة نوعية، لأن تطوير الإعلام اليوم لم يعد مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، وإنما أصبح نتاجاً للتفاعل بين المعرفة والتكنولوجيا والبحث والاقتصاد والصناعات الإبداعية.
وأضاف أن دبي تحولت إلى نقطة التقاء للعقول والخبرات العربية والدولية، ما أوجد مساحة لتبادل المعرفة ونقل التجارب وتوليد أفكار جديدة تنعكس على تطوير الممارسة الإعلامية في المنطقة.
وأوضح أن المدينة الناجحة إعلامياً ليست فقط التي تستطيع جذب المؤسسات، وإنما التي تجعل أصحاب الأفكار والخبرات والمواهب يرغبون في الالتقاء والعمل والإبداع فيها، وهو عنصر نجحت دبي في ترسيخه ليصبح جزءاً من قوتها المعرفية وتأثيرها الإعلامي.
نموذج متقدم
وأكد الدكتور عصام الدين عجمي، مدير جامعة الشارقة، أن دبي قدمت نموذجاً عربياً متقدماً في بناء البيئة الداعمة لتطور الإعلام، انطلاقاً من إدراك أن صناعة إعلام مؤثر لا يمكن أن تنفصل عن المعرفة والبحث والتعليم والثقافة.
وأوضح أن استقطاب المؤسسات والخبرات والمبدعين وإتاحة الفرصة أمامهم للتواصل وتبادل التجارب أسهما في خلق تراكم معرفي عزز موقع الإمارة في المشهد الإعلامي العربي.
مشيراً إلى أن الأثر الحقيقي لأي مركز إعلامي لا يقاس فقط بحجم المحتوى الذي تنتجه مؤسساته، وإنما بما يضيفه إلى تطوير المهنة وبناء الإنسان العامل فيها.
وأضاف أن المساحات التي توفرها دبي للنقاش وتبادل الخبرات واستعراض التجارب والأفكار الجديدة تمنح الأجيال الشابة فرصة للاحتكاك بقيادات إعلامية ومفكرين وخبرات عربية ودولية، وتربط المعرفة الأكاديمية بما يجري فعلياً داخل الصناعة.
وأكد أن استمرار دبي في احتضان الحوارات الإعلامية الكبرى يعزز دورها حلقة وصل بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية والفكرية، ويساعد على إنتاج معرفة يمكن البناء عليها لتطوير القطاع.
موضحاً أن هذا الدور يكتسب أهمية أكبر في مرحلة يحتاج فيها الإعلام العربي إلى مراكز قادرة على جمع الخبرات وصناعة الأفكار وتطويرها، وليس مجرد نقل التجارب الجاهزة.
مجتمع إبداعي
وأكدت الدكتورة سوزان القليني، أستاذ الإعلام ونائب رئيس مجلس أمناء جامعة عين شمس الأهلية، أن أحد أهم أسباب نجاح دبي في ترسيخ موقعها مركزاً فكرياً وإبداعياً يتمثل في أنها لم تعمل على استقطاب المؤسسات بصورة منفردة.
وإنما بنت حولها مجتمعاً إعلامياً وإبداعياً واسعاً يضم صحافيين وصناع محتوى ومبدعين ومفكرين وأكاديميين وشركات متخصصة ومواهب شابة، ما منح المشهد الإعلامي في الإمارة حيوية وقدرة مستمرة على إنتاج الأفكار وتبادل الخبرات.
وأضافت أن وجود هذا التنوع في مساحة واحدة خلق حالة من التفاعل الثقافي والمهني يصعب تحقيقها عندما تعمل المؤسسات والجماعات المهنية في دوائر منعزلة.
موضحة أن الفكرة تستطيع داخل هذه المنظومة أن تجد من يناقشها ويطورها وينتجها ويقدمها إلى الجمهور، وهو ما يجعل البيئة نفسها عاملاً في تحفيز الإبداع واستقطاب أصحاب المواهب والخبرات من المنطقة وخارجها.
وأشارت إلى أن قمة الإعلام العربي تمثل انعكاساً واضحاً لهذا المجتمع الإعلامي المتنوع، لأنها تجمع أجيالاً ومدارس وخبرات مختلفة وتوفر لها مساحة مشتركة للحوار.
ربع قرن
وقال الدكتور محمد الحسن، خبير في القيادة والابتكار في الإعلام المؤسسي، إن دبي نجحت على مدى ربع قرن في الانتقال من كونها حاضنة للمؤسسات الإعلامية إلى مركز لصناعة الأفكار والمحتوى واستشراف مستقبل القطاع، مستندة إلى منظومة تجمع المؤسسات والمواهب والتكنولوجيا والخبرات العالمية.
وأوضح أن الأرقام تعكس حجم هذه المنظومة، إذ أكملت مدينة دبي للإعلام 25 عاماً على تأسيسها، فيما يضم التجمع الإعلامي التابع لمجموعة تيكوم، الذي يشمل مدينة دبي للإعلام ومدينة دبي للاستوديوهات ومدينة دبي للإنتاج، أكثر من 40 ألف متخصص ومبدع، ويستضيف أكثر من 60% من شركات «Fortune 500» العاملة في قطاع الإعلام.
وأشار إلى أن أهمية تجربة دبي تكمن في قراءتها المبكرة للتحولات التي يشهدها القطاع، إذ لم يكن تأسيس مدينة دبي للإعلام مجرد إنشاء مقار واستوديوهات، وإنما بناء بيئة تجمع الإعلام والإنتاج والإعلان والتكنولوجيا والمواهب والخبرات في مكان واحد.
مؤكداً أن «دبي لم تنتظر مستقبل الإعلام حتى يصل إليها؛ بل بنت البيئة التي يأتي إليها الإعلاميون ليصنعوا ذلك المستقبل».
وأكد الحسن أن هذه البيئة التنافسية والمنفتحة انعكست على جودة المحتوى العربي، إذ أتاحت للإعلاميين العمل والاحتكاك بالمؤسسات ووكالات الإبداع وشركات الإنتاج والتكنولوجيا العالمية، ما أسهم في تطوير أساليب السرد والتحرير والإنتاج وفهم الجمهور.
وقال إن أكبر إسهام لدبي لم يتمثل في زيادة كمية المحتوى العربي، وإنما في رفع سقف الطموح تجاه جودته، بحيث يصبح قادراً على المنافسة عالمياً من دون أن يفقد لغته وهويته وخصوصيته الثقافية.
وأضاف أن الانفتاح على الخبرات العالمية أسهم في ظهور جيل من الإعلاميين وصناع المحتوى يفكر في جمهور عربي وعالمي، مشدداً على أن المحتوى القادر على المنافسة ليس الذي يقلد التجارب العالمية، وإنما الذي يتعلم منها ويعيد توظيف أدواتها بروح عربية.
دور التكنولوجيا
وفي هذا السياق، قال إبراهيم بولحيول، صانع محتوى وخبير في الذكاء الاصطناعي، إن ما يميز دبي هو استشرافها المبكر للعلاقة بين الإعلام والتكنولوجيا،.
مشيراً إلى أن تأسيس مدينة دبي للإنترنت ومدينة دبي للإعلام أسس لبيئة جمعت القطاعين قبل أن يصبح هذا التقاطع أحد أبرز ملامح صناعة الإعلام الحديثة.
وأضاف أن دبي لم تنتظر التحول الرقمي حتى يحدث، وإنما عملت مبكراً على بناء البيئة القادرة على استيعابه، وهو ما منح المؤسسات الإعلامية مساحة أوسع للاستفادة من التقنيات الجديدة.
وأوضح أن المؤسسات الإعلامية في دبي استفادت من الذكاء الاصطناعي في مجالات التحليل والرصد والأرشفة والترجمة وإدارة تدفق العمل.
حيث أصبحت مهام كانت تستغرق فترات طويلة قابلة للإنجاز في وقت أقصر، بما يتيح للكوادر التركيز بصورة أكبر على تطوير المحتوى والعمل الإبداعي.
وأشار إلى أن أكبر أثر للذكاء الاصطناعي قد لا يراه الجمهور، إذ يحدث جزء مهم منه خلف الكواليس في تحليل البيانات والرصد والترجمة وإدارة العمليات.
معتبراً أن ذلك يعكس نضجاً في توظيف التقنية، بحيث لا يكون الهدف إظهار الذكاء الاصطناعي بقدر الاستفادة منه في رفع كفاءة المؤسسة.
وفيما يتعلق بالمحتوى العربي، أكد بولحيول أن الذكاء الاصطناعي رفع الإنتاجية وسرّع العمليات، لكنه لا يحسن الجودة تلقائياً،.
لافتاً إلى أن التحدي المقبل يرتبط بقدرة التقنيات على فهم خصوصية العربية ولهجاتها وسياقاتها الثقافية، بما يجعل تطوير الأدوات الداعمة للغة العربية جزءاً مهماً من تطوير الإعلام العربي في المرحلة المقبلة.
صناعة المواهب
وقالت وداد كاهور، رئيسة قسم تطوير المواهب الإعلامية في نادي دبي للصحافة، إن الاستثمار في الإنسان يمثل أساساً لتطوير قطاع الإعلام، مؤكدة أن مكانة دبي مركزاً إعلامياً لا تعتمد فقط على استقطاب المؤسسات والمنصات العالمية، وإنما على قدرتها على صناعة المواهب وتمكينها.
وأوضحت أن النادي يعمل على رصد احتياجات المواهب والفجوات المهارية في القطاع من خلال الدراسات والاستبيانات وتحليل البيانات، ومن ثم تصميم برامج تستهدف المهارات التي يحتاج إليها الإعلامي وصانع المحتوى فعلياً، وتواكب التحولات في صناعة المحتوى والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.
وأضافت أن صناعة المحتوى لم تعد مرتبطة بتخصص واحد، ولذلك يجري العمل على تطوير صناع محتوى متخصصين في قطاعات مختلفة، قادرين على تبسيط المعلومات وتقديمها بصورة دقيقة، ومع دبي للثقافة لتطوير مواهب قادرة على تقديم ثقافة الإمارات ودبي وقصصها وهويتها بأساليب حديثة ومبتكرة.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من تدريب صانع المحتوى، بدءاً من البحث وتطوير الأفكار والكتابة وصولاً إلى الإنتاج وتحليل الجمهور، مع التأكيد أن التكنولوجيا لا تستبدل الإبداع البشري، وأن الفكرة والهوية وطريقة سرد القصة وفهم الجمهور تبقى مسؤولية صانع المحتوى.
وأكدت كاهور أن دبي شكلت على الدوام مساحة تجمع المواهب والمؤسسات والخبرات من المنطقة والعالم، فيما يعمل نادي دبي للصحافة على بناء جسور بين المواهب العربية والمؤسسات والخبرات العالمية، بما يتيح الوصول إلى المعرفة وأفضل الممارسات، وفي المقابل يمنح العالم فرصة للتعرف إلى المواهب والأفكار والقصص التي تنطلق من دبي والمنطقة.
وبين بناء منظومة إعلامية متكاملة، واحتضان التقنيات التي تعيد تشكيل الصناعة، والاستثمار في جيل جديد من المواهب، تتبلور مساهمة دبي في تطوير الإعلام العربي بوصفها منظومة مترابطة لا تكتفي باستضافة المؤسسات أو مواكبة التحولات، بل تعمل على صناعة الأدوات والكفاءات والأفكار القادرة على قيادة المرحلة المقبلة.
وتأتي قمة الإعلام العربي في صميم هذه المنظومة، باعتبارها مساحة تلتقي فيها الخبرات العربية والعالمية لمناقشة التحولات التي تعيد تشكيل الصناعة، وتبادل المعرفة والتجارب.
وطرح الأسئلة التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة. ومن خلال هذا الدور، تواصل دبي انتقالها من كونها مركزاً يستضيف الإعلام إلى منصة تسهم في صناعة مستقبله.
قيادات أكاديمية وإعلامية:
منظومة متكاملة تصنع المعرفة والمواهب وتستشرف مستقبل المجال
قمة الإعلام العربي منصة تجمع العقول وتصنع الحوار الإعلامي
ربط المعرفة بالممارسة يصنع إعلاماً أكثر تأثيراً وقدرة على المنافسة
الذكاء الاصطناعي يغيّر أدوات الإعلام.. والإنسان يبقى محور صناعة المحتوى