الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح الإعلام

دبي - أحمد أبوالفتوح وموفق محمد

لم يعد مستقبل الإعلام يُقاس بقدرته على مواكبة التكنولوجيا فحسب، بل بمدى قدرته على الحفاظ على دوره وتأثيره في بيئة تتغير فيها طريقة إنتاج المعلومة وتلقيها بصورة غير مسبوقة

فبينما يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة أمام سرعة الإنتاج وتحليل البيانات وتطوير المحتوى، تفرض المنصات الرقمية واقعاً جديداً تتراجع فيه الحدود التقليدية بين الصحافي وصانع المحتوى والمتلقي، بالتزامن مع تصاعد تحديات التضليل وفقدان السياق واختبار المصداقية.

وتضع «قمة الإعلام العربي 2026» مستقبل الصناعة أمام نقاش يتجاوز التكنولوجيا إلى جوهر المهنة ومسؤوليتها تجاه المجتمع، إذ يرى برلمانيون وإعلاميون وأكاديميون ومتخصصون في التحول الرقمي أن المرحلة المقبلة تتطلب إعلاماً أكثر قدرة على الجمع بين الابتكار والمهنية، وبين أدوات الذكاء الاصطناعي والحكم البشري، مع إعادة بناء العلاقة مع جمهور أصبح شريكاً في صناعة المحتوى وانتشاره.

وتتقاطع رؤى المتحدثين عند أهمية بناء منظومة إعلامية تستوعب أدوات المستقبل من دون أن تفقد هويتها، وتعيد الاعتبار إلى الثقة باعتبارها القيمة الأكثر أهمية في سوق تتسارع فيه المعلومة، في حين يصبح التحقق والتفكير النقدي والتأهيل المهني عناصر حاسمة في تحديد من سيقود المشهد الإعلامي خلال السنوات المقبلة.

منظومة أوسع

وأكد الدكتور عدنان حمد الحمادي، رئيس لجنة شؤون التعليم والثقافة والشباب والرياضة والإعلام في المجلس الوطني الاتحادي، أن قمة الإعلام تمثل منصة مهمة للحوار حول مستقبل الإعلام العربي.

في وقت أعادت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية تعريف الصناعة وأدواتها وأدوار العاملين فيها.

وأشار إلى أن الإعلام لم يعد محصوراً في المؤسسات الصحافية والإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبح منظومة أوسع تضم الصحافي وصانع المحتوى والمؤثر والمنصات الرقمية، ما يفرض تطوير المفاهيم والأدوات بما يواكب المشهد الجديد.

وأوضح أن أهمية القمة لا تنحصر في جمع الإعلاميين والخبراء وصناع القرار والأكاديميين والشباب، وإنما في قدرتها على تحويل الحوار إلى رؤى ومبادرات عملية تنقل الإعلام العربي من موقع متابعة التحولات إلى الإسهام في صناعتها وتوجيه مساراتها.

وشدد الحمادي على أهمية مواكبة التشريعات للتطور التقني، خصوصاً أن الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي أوجدا تحديات جديدة تتصل بالمصداقية والمسؤولية المهنية والملكية الفكرية وحماية المجتمع، ما يستدعي أطراً تنظيمية مرنة تحقق التوازن بين حماية المجتمع وتشجيع الابتكار.

مواجهة التضليل

وأكدت ناعمة عبدالله الشرهان، عضو المجلس الوطني الاتحادي، أن مسؤولية الإعلام تجاوزت نقل الأحداث إلى بناء وعي قادر على التعامل مع التدفق الهائل للمعلومات.

مشيرة إلى أن المعلومة تصل إلى الجمهور اليوم بسرعة غير مسبوقة، وأحياناً قبل أن يمتلك المتلقي الوقت الكافي للتحقق من مصدرها أو فهم سياقها.

وقالت إن ذلك يضع الإعلام أمام مسؤولية تعزيز قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والرأي والمحتوى المصمم للتأثير، داعية إلى بناء جيل يمتلك «عادة التحقق».

بحيث لا يتعامل مع كل ما يصله عبر الهاتف أو المنصات باعتباره حقيقة، وإنما يسأل عن المصدر والسياق والهدف من نشر المعلومة.

وأوضحت أن أهمية ذلك تتزايد مع قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج صور ومقاطع وأصوات ونصوص شديدة الإقناع، ما يجعل مواجهة التضليل مسؤولية مجتمعية تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتضطلع المؤسسات الإعلامية فيها بدور محوري.

وأكدت أن المؤسسة الإعلامية يجب أن تكون المرجع الذي يعود إليه الجمهور عندما تختلط عليه المعلومات، فلا تكتفي بنفي الشائعة، وإنما تقدم الحقيقة بسرعة ووضوح وتشرح سياقها، مشددة على أن الثقة ستكون رأس المال الحقيقي للإعلام خلال المرحلة المقبلة.

وأضافت أن الوصول إلى ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة امتلاك التأثير، في حين تظل ثقة الجمهور العامل الأهم في استدامة المؤسسة الإعلامية ومكانتها.

وأشارت إلى أن مسؤولية الجمهور لا تنفصل عن مسؤولية المؤسسات، إذ أصبح الفرد نفسه جزءاً من العملية الإعلامية بمجرد إعادة نشر المحتوى.

ولذلك يجب إعادة تعريف علاقة الشباب بالإعلام، وعدم النظر إليهم كمستهلكين فقط، بل باعتبارهم صناع محتوى يمتلكون أدوات إنتاج وتأثير لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

غرف الأخبار

وأوضح عماد الدين حسين، الكاتب الصحافي المصري ورئيس تحرير جريدة «الشروق»، أن انعقاد القمة في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات وأحداث متسارعة يؤكد أهمية استمرار الحوار الإعلامي العربي.

مشيراً إلى أن استضافة دولة الإمارات للفعاليات الإعلامية الكبرى تحمل دلالة على استمرار دورها في جمع القيادات والخبرات الإعلامية ومناقشة قضايا المهنة ومستقبلها.

وأكد أن التحدي الحقيقي أمام القمة والمؤسسات الإعلامية لا يتمثل في إنتاج الأفكار والتوصيات، وإنما في تحويلها إلى ممارسات فعلية داخل غرف الأخبار.

وأشار إلى أن التجارب السابقة لمنتدى الإعلام العربي وقمة الإعلام العربي أظهرت انتقال أفكار عدة من مرحلة النقاش إلى التطبيق، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والأدوات التحليلية والابتكار في صناعة الصحافة.

وهو ما انعكس أيضاً في توجهات جائزة الصحافة العربية نحو تشجيع التجارب الجديدة وتطوير أدوات العمل الإعلامي. وشدد حسين على أن التطور التكنولوجي ينبغي ألا يأتي على حساب جوهر المهنة.

مؤكداً أن الدقة والمصداقية والأمانة في نقل الأخبار تظل أساس العمل الصحافي، بل تزداد أهميتها في ظل الأزمات والصراعات والأفكار المتطرفة التي تشهدها دول في المنطقة.

الإعلام المحلي

وأكد محمد غانم مصطفى، مدير عام هيئة إذاعة رأس الخيمة، أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يفرضان على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في أدواتها وأساليب عملها، خصوصاً مع تغير أنماط استهلاك الجمهور للمحتوى.

وأشار إلى أن الإعلام المحلي يمتلك فرصة كبيرة للوصول إلى جمهور أوسع وتقديم محتوى أكثر تنوعاً وسرعة، شرط الحفاظ على المصداقية والهوية الوطنية والمعايير المهنية.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاوناً أكبر بين المؤسسات الإعلامية والصحافيين والأكاديميين وصناع المحتوى وخبراء التكنولوجيا، والاستفادة من تجاربهم لبناء محتوى قادر على المنافسة في البيئة الرقمية.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في البحث وتحليل البيانات وإنتاج المحتوى وتقديمه، لكن توظيفه يجب أن يخضع لإطار مهني واضح يحافظ على التحقق والدقة والمسؤولية التحريرية.

دورة العمل

وأوضح محمد أبو العزم، مطور برمجيات الذكاء الاصطناعي والمتخصص في التحول الرقمي، أن التأثير الأعمق للتقنية لا يتمثل في تسريع إنتاج الخبر فقط، وإنما في إعادة صياغة دورة العمل الإعلامي وعلاقة المؤسسات بجمهورها ونماذج استدامتها.

وقال إن الذكاء الاصطناعي مرشح للتوسع في الرصد والبحث والتحليل والإنتاج والترجمة والتوزيع، إلا أن إدماجه في غرف الأخبار يتطلب أكثر من شراء الأدوات، ويحتاج إلى تحديد المسؤوليات ومعايير الجودة وآليات المراجعة، مع بقاء القرار التحريري والمساءلة النهائية بيد الإنسان.

وأشار إلى أن التقنية قادرة على تنفيذ مهام عدة، مثل تفريغ المقابلات وتلخيص الوثائق والترجمة وتصنيف الأخبار والبحث في الأرشيف وتحليل البيانات واقتراح العناوين وإعداد المسودات، لكن مخرجاتها تحتاج إلى تدقيق بشري، خصوصاً في الأسماء والأرقام والاقتباسات والمعلومات الحساسة.

وأكد أن جودة اللغة التي تنتجها الآلة لا تعني بالضرورة صحة المعلومات، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة الصحافي في فرز آلاف الوثائق واكتشاف مؤشرات تستحق البحث، لكنه لا يحول المؤشرات إلى أدلة، ولا يغني عن المصادر والتحقق وفهم السياق والحكم التحريري.

وأضاف أن المنافسة المقبلة لن تدور فقط حول سرعة إنتاج الخبر، بل حول قدرة المؤسسات على تقديم قيمة يصعب اختزالها في إجابة آلية أو ملخص سريع، من خلال التحقيقات الميدانية والمعلومات الحصرية والتحليل المتخصص والمحتوى الذي يضيف معرفة جديدة.

متطلبات التعليم

وأكد الدكتور السر علي، الأستاذ في جامعة أم القيوين، أن سرعة تغير الصناعة الإعلامية تجاوزت في بعض الأحيان قدرة المناهج التقليدية على الاستجابة لمتطلباتها.

مشيراً إلى أن الإعلامي الجديد يحتاج إلى حزمة واسعة من المهارات تشمل الكتابة والتحرير والإنتاج البصري وإدارة المنصات، إلى جانب التعامل مع البيانات والذكاء الاصطناعي والتحقق من المعلومات.

وأوضح أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الإعلامي يجب ألا يقتصر على إضافة مقرر دراسي، بل ينبغي أن يصبح جزءاً من العملية التعليمية، يتعلم من خلاله الطالب استخدام الأدوات بكفاءة، وفهم حدودها، ومراجعة مخرجاتها، والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز قدرات الإعلامي في البحث والتحليل والإنتاج، لكنه لا يلغي التفكير النقدي والحس الصحافي والقدرة على التحقق واتخاذ القرار، وهي مهارات تظل جوهر المهنة مهما تطورت الأدوات.

ودعا إلى شراكة أوسع بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية، بحيث يرتبط التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلية، وتُحدّث المناهج باستمرار، وتتاح للطلاب فرص التدريب والتجربة والاحتكاك الحقيقي ببيئة العمل، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على التعامل مع المشهد الإعلامي الجديد.

بين سرعة الآلة وحكم الإنسان

تتقاطع الرؤى عند حقيقة أساسية؛ مفادها أن الإعلام لا يواجه معركة مع التكنولوجيا، وإنما أمام فرصة لإعادة تعريف دوره من خلالها.

فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع الإنتاج، وتوسيع القدرة على التحليل، والوصول إلى الجمهور، لكنه لا يستطيع وحده صناعة الثقة أو امتلاك الحس الصحافي أو تحمّل المسؤولية الأخلاقية.

ومن هنا، تبدو معادلة المستقبل أكثر وضوحاً: مؤسسات إعلامية تستخدم التكنولوجيا من دون أن تستسلم لها، وصحافيون يمتلكون الأدوات الجديدة من دون أن يتخلوا عن أصول المهنة.

وجمهور لا يكتفي باستهلاك المعلومات، وإنما يمتلك القدرة على التحقق منها. وبين سرعة الآلة وحكم الإنسان ستبقى المصداقية والثقة وجودة المحتوى المعايير التي تحدد قدرة الإعلام العربي على الاستمرار والتأثير.

برلمانيون ومختصون:

الذكاء الاصطناعي يسهم في صياغة دورة العمل الإعلامي ولا يغني عن التحقق والحكم التحريري

ثقة الجمهور رأس المال الحقيقي للإعلام وسط تدفق هائل للمعلومات وتصاعد التضليل

الإعلام لم يعد حكراً على المؤسسات.. والجمهور أصبح شريكاً في صناعة المحتوى وانتشاره

مناهج الإعلام مطالبة بمواكبة سوق العمل وتعليم الطلبة التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي

مستقبل المؤسسات الإعلامية يتطلب الاستثمار في الأرشيف والكوادر وتنويع قنوات الوصول إلى الجمهور