2026.. ولادة «الذكاء الخارق» ورحيل «الاصطناعي»

في صيف 1956، اجتمع علماء وباحثون في كلية دارتموث الأمريكية في ورشة ارتبط بها ميلاد مصطلح «الذكاء الاصطناعي»، وانطلق منها مجال علمي قام على فكرة أن جوانب من التعلم والذكاء يمكن وصفها بطريقة تجعل الآلة قادرة على محاكاتها.

وبعد 70 عاماً، يعود الاسم نفسه إلى دائرة النقاش، ولكن من الاتجاه المعاكس: هل ما زال وصف هذه التقنية بـ«الاصطناعية» مناسباً بعدما أصبحت تكتب وترسم وتبرمج وتحلل وتخطط وتنفذ مهاماً كان إنجازها حكراً على الإنسان؟

من التنفيذ إلى التعلم

لم تكن الرحلة مستقيمة، فقد مرت التكنولوجيا بمراحل من الصعود والتراجع، من الأنظمة القائمة على قواعد محددة، إلى التعلم الآلي والشبكات العصبية والتعلم العميق، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ومع كل قفزة تغيرت العلاقة بين الإنسان والآلة: من جهاز ينتظر التعليمات وينفذها، إلى نظام يتعلم من كميات هائلة من البيانات، ثم إلى نماذج تنتج النصوص والصور والفيديو والبرمجيات.

ثم ظهر جيل جديد من «الوكلاء» القادرين على تنفيذ سلسلة من المهام بدرجات متزايدة من الاستقلالية، بالتزامن مع تطور الروبوتات الشبيهة بالبشر.

وهنا بدأ السؤال يتغير: ماذا لو لم تعد الآلة تكتفي بتنفيذ ما يطلبه الإنسان، وإنما أصبحت تتعلم وتخطط وتبرمج وتتصرف أسرع منه؟

22 سبتمبر 2026.. ترامب يودع «الاصطناعي»

الثلاثاء الماضي 22 سبتمبر 2026، جاءت المفاجأة من منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام مصطلح «الذكاء الخارق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» في الوثائق الأمريكية، مرحباً بما وصفه بالعالم الجديد لـ«الذكاء الخارق»، لكن الفارق هنا جوهري: ترامب كان يتحدث عن تغيير في التسمية، وليس إعلاناً علمياً بأن الأنظمة الحالية بلغت بالفعل مرحلة «الذكاء الخارق» بالمفهوم التقني.

وفي خطابه نفسه، رفض ترامب إنشاء نظام عالمي للتحكم في هذه التكنولوجيا، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الدولية على قيادة السباق.

يناير 2026: أذكى من الإنسان

المفارقة أن إيلون ماسك كان قد تحدث، مطلع العام الجاري عن قدرة الذكاء الاصطناعي وليس الاسم فقط. ففي يناير 2026، وخلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، توقع إيلون ماسك أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من أي إنسان بحلول نهاية 2026، أو في موعد لا يتجاوز 2027، بل وذهب أبعد من ذلك، متوقعاً أن يصبح الذكاء الاصطناعي بحلول 2030 أو 2031 أذكى من البشرية مجتمعة.

كما رسم ماسك مستقبلاً تتسارع فيه قدرات الروبوتات الشبيهة بالبشر، وصولاً إلى عالم من «الوفرة» تنتج فيه الآلات والذكاء الاصطناعي كميات ضخمة من السلع والخدمات.

وهكذا يلتقي ترامب وماسك، من زاويتين مختلفتين، عند لحظة واحدة: الأول يريد إسقاط كلمة «الاصطناعي» من الاسم، والثاني يتوقع أن تبدأ الآلة في تجاوز ذكاء صانعها.

2026 - 2036.. روزنامة «العقد الخارق»

وبالتزامن مع تصريحات ماسك، يجري تداول روزنامة منسوبة إلى توقعاته، ترسم صورة شديدة التسارع للعقد المقبل.

وبحسب هذه الروزنامة المتداولة على بعض منصات التواصل الاجتماعي، يمثل 2026 بداية ظهور ذكاء يتفوق على الإنسان، وتتسع في 2027 قدرته على تولي الأعمال الرقمية، فيما يصل في 2028 إلى مستويات متقدمة في البرمجة وتطوير البرمجيات.

وتضع الروزنامة 2029 موعداً لقفزة كبيرة في قدرات روبوت «أوبتيموس» من تسلا، قبل أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي في 2030 مجموع الذكاء البشري، ثم تتسارع أعداد الروبوتات الشبيهة بالبشر في 2031.

وفي 2032 تبدأ، وفق السيناريو المتداول، مرحلة من الوفرة في الإنتاج تتجاوز احتياجات البشر، فيما يفقد الادخار للتقاعد أهميته في 2033، ويظهر مفهوم «الدخل المرتفع الشامل» في 2034.

ثم يصبح العمل اختيارياً في 2035، قبل أن يصل العالم في 2036 إلى انتشار هائل للروبوتات والدخول فيما يوصف بـ«عصر الوفرة».

لكن هذه الروزنامة ليست جدولاً رسمياً أصدره ماسك ، وإنما صياغة متداولة تجمع بعض تصريحاته وتوقعاته مع استنتاجات ومواعيد منسوبة إليه.

وتتقاطع، مع ذلك، بعض محطاتها الأساسية مع تصريحات مباشرة لماسك، خصوصاً توقعه أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من أي إنسان في 2026 أو 2027، ثم أذكى من البشرية مجتمعة قرابة 2030 أو 2031.

21 سبتمبر 2026.. العالم يبحث "إبطاء" الذكاء الاصطناعي

وفي الوقت الذي يتسارع فيه السباق نحو أنظمة أكثر ذكاء، بدأت دول وقادة يطرحون سؤالاً معاكساً: هل ينبغي إبطاء الاندفاع بما يسمح لإجراءات السلامة باللحاق بالتكنولوجيا؟

الاثنين الماضي 21 سبتمبر الجاري، أطلقت فنلندا والنرويج عبر اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك دعوة دولية لإبقاء نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً تحت التوجيه والإشراف والسيطرة البشرية.

وانضم إلى الدعوة قادة ومسؤولون من دول عدة، في مؤشر إلى اتساع القلق الدولي من مخاطر أن تتطور قدرات الأنظمة المتقدمة بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والمجتمعات على وضع الضوابط اللازمة لها.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات السباق: العالم يريد ذكاءً أكثر قدرة، لكنه يريد في الوقت نفسه ضمان بقاء الإنسان ممسكاً بمفتاح التحكم.

واشنطن وبكين .. «الإبلاغ عن حوادث الذكاء»

وفي ختام زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أمريكا أول امس الجمعة 25 الجاري، وعقب محادثات بين مسؤولين من البلدين، أعلن البيت الأبيض أن واشنطن وبكين ستستحدثان "قناة اتصال" بينهما لمعالجة الحوادث المهمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إذا بلغت مستوى يمس الأمن القومي.

وأفاد البيت الأبيض في وثيقة معلومات أن البلدين استحدثا "حوارا بين الولايات المتحدة والصين في شأن الذكاء الفائق لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع" المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واتفقا كذلك على إقامة "قناة اتصال ثنائية" لمعالجة الحوادث في هذا المجال.

الخطأ التقني يتسبب في أزمة سياسية وأمنية

يطرح اتفاق الصين وأمريكا على إقامة "قناة اتصال ثنائية" لمعالجة حوادث الذكاء الاصطناعي أسئلة عاجلة ومثيرة في صدارتها: لماذا تحتاج أكبر قوتين في العالم سياسيا وعسكريا واقتصاديا إلى وسيلة اتصال خاصة بـ«حوادث الذكاء الاصطناعي»؟ وماذا لو أخطأت الآلة بين دولتين؟

تخيل أن نظاماً مستقلاً ينفذ هجوماً إلكترونياً على شبكة كهرباء أو مؤسسة مالية أو منشأة عسكرية في دولة أخرى. فهل صدر الهجوم بأمر من حكومة؟ أم نفذته مجموعة مستقلة؟ أم تجاوز نظام ذكي المهمة التي كُلّف بها؟ وماذا لو لم يكن أمام الدولة المستهدفة سوى دقائق لاتخاذ القرار؟

هنا يمكن أن يتحول «الخطأ التقني» إلى أزمة سياسية وأمنية. فقد تفسر دولة ما حدث باعتباره هجوماً متعمداً من خصمها، بينما يكون في الواقع نتيجة سلوك غير متوقع لنظام آلي.

ويكشف التخوف من «تمرد الآلات»، تحولاً مهماً يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد صناعة تتنافس الدول على قيادتها، وإنما أصبح أيضاً ملفاً للأمن القومي وإدارة الأزمات.

مفارقات 2026

يشهد العام 2026 مفارقات حول الذكاء الاصطناعي بين الرغبة في التسارع بنماذج تحقق كل شيء والبحث عن آليات لإبطاء الذكاء الاصطناعي والخوف أن يذهب بعيداً عن السيطرة البشرية يريد أن يسمي التقنية «الذكاء الخارق»، وماسك يتوقع ذكاء يتجاوز الإنسان، والشركات تتنافس على بناء نماذج أكثر قدرة، بينما تطالب دول بإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية، وتناقش واشنطن وبكين كيفية التواصل إذا تسبب الذكاء الاصطناعي في حادث يمس الأمن القومي.

ماذا يحدث للوظيفة؟

ثم تأتي الأسئلة الأقرب إلى حياة الإنسان وفي صدارتها: ماذا يحدث إذا استطاع الذكاء الاصطناعي إنجاز عمل موظف في دقائق؟

وماذا يبقى للمبرمج إذا أصبح النظام قادراً على كتابة البرامج؟ وللعامل عندما يمتلك الذكاء جسداً روبوتياً؟ وللموظف عندما يستطيع «وكيل» رقمي تنفيذ مهام يوم كامل خلال وقت قصير؟

وماذا يتعلم طفل يدخل المدرسة في 2026 إذا كانت الوظيفة التي يستعد لها قد تتغير جذرياً قبل تخرجه؟

وإذا تحققت توقعات الوفرة، فمن سيمتلك الروبوتات ومراكز البيانات والطاقة التي تنتجها؟ وهل ستوزع ثمار هذا التحول على الجميع، أم تزيد الفجوة بين من يمتلك التكنولوجيا ومن يعتمد عليها؟

وماذا يحدث لمفاهيم الراتب والادخار والتقاعد إذا أصبح العمل، كما يتصور ماسك في رؤيته المستقبلية، اختيارياً؟

ومن يتخذ القرار الأخير؟

ويبقى السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يصبح النظام أذكى من الإنسان الذي يراقبه؟

إذا كان البشر لا يستطيعون دائماً تفسير الطريقة التي تصل بها النماذج الأكثر تعقيداً إلى قراراتها، فكيف يضمنون السيطرة عليها عندما تصبح أكثر استقلالية؟

وإذا كانت الشركات تتسابق للوصول أولاً، والدول تخشى أن يؤدي التباطؤ إلى منح منافسيها التفوق، فمن سيملك إيقاف هذا القطار فائق السرعة عندما يصبح إيقافه شرط بقاء الإنسان ؟

إنها معضلة غير مألوفة: لكل طرف سبب يدفعه إلى الإسراع، بينما قد تتطلب سلامة الجميع أحياناً الإبطاء.

70 عاماً غيرت السؤال

في 1956، كان الطموح صنع آلة تحاكي جانباً من ذكاء الإنسان.

وفي 2026، يريد رئيس الولايات المتحدة إسقاط كلمة «الاصطناعي» من اسمها، ويتوقع ماسك أن تصبح أذكى من الإنسان، فيما يطالب قادة دوليون ببقائها تحت السيطرة البشرية، وتناقش أكبر قوتين في العالم كيفية التصرف إذا تسبب الذكاء الاصطناعي في حادث يمس الأمن القومي.

بدأ الإنسان بمحاولة تعليم الآلة كيف تفكر، ثم علمها كيف تتعلم، وبعدها كيف تكتب وترسم وتبرمج وتخطط وتتصرف. أما السؤال الذي يواجهه الآن فلم يعد فقط: إلى أي مدى يمكن أن نجعلها ذكية؟

بل: هل نستطيع أن نبقى نحن في مقعد القيادة عندما تصبح أذكى؟

وربما لهذا يبدو مشهد 2026 شديد التناقض: العالم يسرع نحو «الذكاء الخارق»، وفي الوقت نفسه يبحث، بجدية متزايدة، عن المكابح وزر الطوارئ.

السباق الذي لا يعرف خط النهاية

انتقل الذكاء الاصطناعي خلال سبعة عقود من الفكرة إلى تنفيذ التعليمات ثم إلى التعلم والتوليد والتخطيط، ثم إلى أنظمة يُنتظر منها أن تعمل بدرجات متزايدة من الاستقلالية.

وخلال هذه الرحلة، عرف المجال فترات من التراجع قبل أن تعيده الشبكات العصبية والتعلم العميق، ثم النماذج التوليدية، إلى سباق يتسارع عاماً بعد آخر ، لكن المختلف في 2026 ليس مجرد ظهور نموذج أقوى أو روبوت أكثر مهارة، بل تغير الطريقة التي ينظر بها العالم إلى ما يصنعه.

رئيس الولايات المتحدة يريد تسميته «الذكاء الخارق»، وماسك يتوقع تفوقه على الإنسان، ودول تطالب بضمان بقائه تحت السيطرة البشرية، فيما تبحث واشنطن وبكين آليات للتعامل مع حوادثه المحتملة، إنها مفارقة تختصر المشهد: كل طرف يريد الوصول أولاً، لكن الجميع بدأ يسأل عما سيحدث بعد الوصول.

الأسئلة العالقة

بعد رحلة امتدت سبعة عقود مع الذكاء الاصطناعي، لم يعد العالم أمام سؤال واحد، بل أمام سلسلة من الأسئلة الملحّة: هل تستطيع القوانين مواكبة سرعة الخوارزميات؟ وهل يمكن للتعليم إعداد أجيال لوظائف لم تتضح ملامحها بعد؟ وهل تقود الروبوتات والذكاء الاصطناعي إلى «عصر الوفرة» الذي يتوقعه إيلون ماسك، أم تعيد رسم خريطة العمل والثروة والقوة؟

ويبقى السؤال الأصعب: إذا تحقق «الذكاء الخارق»، فهل يمثل ذلك ذروة قدرة الإنسان على الابتكار، أم بداية اختبار أكثر تعقيداً لقدرته على التحكم فيما صنعه؟

لذلك، ربما لا يكون السؤال الذي سيحدد العقد المقبل: متى يصل الذكاء الخارق؟

بل: هل سيكون الإنسان مستعداً عندما يصل؟