رواية «الجائحة» – الحلقة الخامسة ( الاقتران التخاطري - الخميس 13 يناير 2050)

ترجّلت سارة من طائرتها الشخصية الصغيرة الفيروزية التي حطّت بسلاسة وهدوء على شرفة بيتها الأنيق، في حي «صولو» داخل «مدينة دبي تك»، التي أُنشئت في العام 2028 لتكون مدينة لمستقبل العالم، بعد 8 سنوات من نجاح «حي دبي للمستقبل»، الذي أُطلق في العام 2020.

كانت «دبي تك سيتي» توسعة لتصميم مدينة سكنية وصناعية وعلمية كاملة تحتوي على مجمعات سكنية وأخرى خدمية وصناعية تكنولوجية متقدمة، وتشترط أن يكون ساكنوها هم الأكثر ذكاء في العالم من علماء ومهنيين وقطاعات أخرى خدمية، من كافة الجنسيات، مع امتيازات تفتحُ لهم أفقاً واسعاً للإبداع والاختراع وتطويع تكنولوجيا المستقبل لخدمة البشرية، المدارس في «دبي تك سيتي» تستقبل العباقرة من الطلبة، بمنح كاملة، يدرسون تخصصات العلوم الحديثة فقط، فكان من الطبيعي جداً، أن ترى طالباً في الصف السادس الابتدائي، يدرس علوم الفضاء أو الهندسة الجينية أو الوراثية أو علم الديناميكا الهوائية ويتخرج من الجامعة وهو ما زال في الثانية عشرة من عمره ويبدأ العمل والإنتاج.

 لم تكن سارة بحاجة أن تتحدث مع الباب الزجاجي أو مع أثاث بيتها ليفهموا ماذا تريد، بل كانت تتخاطر ذهنيا مع سكرتيرتها فتقوم بتنفيذ أوامرها، مرّت من خلال هولوغرام مجسم ليزري لسكرتيرتها «إيفا» التي تحمل شاشة تعرض جهاز حاسوب سارة المركزي ولوحات التحكم لكل شيء يتعلق بحياتها وبيتها وعملها بدرجة 360، قالت إيفا مازحة:

«هذا مؤلم، لا للتلامس»، فابتسمت سارة، التي احتفلت الأسبوع الماضي بعيد ميلادها الخامس والستين، تذكّرت صديقتها شيخة، في العام 2020، حين كان عنوان المرحلة: «بدون تلامس.. بدون اختلاط».

أثارت كلمة إيفا الشجون في أصقاع سارة وقنوات وجدانها الداخلية، فحركت مشاعرها المتأزمة تجاه الماضي، ودفعت ببعض الذكريات إلى عقلها المشغول دائما بالأخبار والتقارير الصحفية، ودّت الحديث مع شيخة في تلك اللحظة، إذا كان ذلك متاحاً، فظهر هولوغرام لشيخة بعد موافقتها على «الاقتران التخاطري»، شيخة أيضا بلغت الستين، تعيش في مزرعتها الذكية في منطقة خوانيج دبي.

وتدير شبكة عالمية للطب النفسي تخاطريا، دخلتا في هولوغرام مشترك وكانت شيخة تمارس الرياضة، أشارت سارة لها بيدها وهي تبتسم، أوقفت شيخة جهاز المشي السريع الذكي، على شكل كرة بلورية بدون جاذبية، تجعل المشي والركض في الهواء بحرية وراحة قصوى، رفعت يدها تحيي سارة وقالت: «اشتقت إليك».

جلست سارة على أريكتها المائية الحرارية كأنّها في مزرعة شيخة، رفعت يدها وهي تقول: «وأنا كذلك، أتمُنى أن تكوني بخير، هل أنجبت ابنتك شمّا، لقد قلت لي أن موعدها الشهر الماضي؟»،

قالت شيخة وهي تأخذ حماما باردا دون خلع ملابسها، عن طريق تخفيض درجة الندى بإثيلين غليكول طبيعي معالج: «أنجبت طفلة مثلها، بصحة جيدة والحمد لله، كانت ثالث عملية ولادة عالمية تُجرى دون نقطة دم واحدة، الجميع سعيد وقد جعلت مني جدة أخيراً، بعد سنوات طويلة من الانتظار»، وضحكت مع ضحكة سارة، وأضافت وهي تدخل مكتبها الخاص وتلمس جهاز التحكم: «لذلك لم أتمكن من زيارتك في ذكرى عيد ميلادك، كنت مشغولة معها، كل عام وأنت بألف خير».

«وأنت بخير»، ردّت سارة، وأضافت: «افتقدتك صراحة». استخرجت شيخة خبر حصول سارة على جائزة عالمية في وصول موقعها التقني «نيوز 2050» على أعلى نسبة متابعة عالمية، فقالت: «مبروك، تابعت هذا الخبر، دانة الدنيا دبي كلّها احتفلت معك، إنجاز يُسجل بماء الذهب». أجابت سارة وهي تبتسم:

«شكراً حبيبتي، هذا بفضل تشجيعك، أتذكرين يوم حدثتك عن المشروع في صيف عام 2038، وكنتِ أول من شجعني على استخدام تقنية «جلوبال جيناتك كول نيوز» بعد تطوير أدوات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنتاج حزم تفاعلية جينية تسمح بالاتصال التخاطري واختراع المجموعات التخاطرية البشرية، هل تذكرين ماذا قلت لي حينها:

«هذا واتس أب جيني.. هههه»، هزّت شيخة رأسها وأكملت سارة: «تلك الجملة، هي التي فتحت لي الأفق لطلب تطوير تلك التقنية، وتشجيعك الدائم هو الذي أوصلني لذلك، ولا شك أنك سترافقينني إلى باريس يوم 2 مارس لإستلام الجائزة، وسأذكر ذلك»، قالت شيخة مودعة: «بالتأكيد، ألف ألف مبروك، حبيبتي، شكراً لك، سنلتقي قريبا».

انتهى اللقاء الهولوغرامي تلقائياً بمجرد لمست شيخة شاشتها، فقد كانت «جائحة القيامة الرقمية» قد ولّت منذ سنوات، ولم تعد المعالجات الرقمية وتقنيات استشعار الحركة، المكونة من البلازما التي كانت تُظهر الصورة ثلاثية الأبعاد تطفو في الهواء، ذات جدوى، خاصة بعد الجيل العاشر من الإنترنت، الذي لم يغيّر وجه العالم فقط، بل غيّر كنهه وهويته كلياً، وانتهى ما كان يسمى بالجوال أو الهاتف النقال والتطبيقات الذكية.

وحلّ مكانها الاقتران التخاطري بالهولوغرام إس 16، حيث يسمح بالاقتران التخاطري في تجسيم الأشياء من 16 بُعداً وزاوية 360 درجة، عن طريق كاميرات استشعار تفاعلية بالغة الدقة، لا تنقل الصور فقط بل تدخل إلى العقل وتتطلع على الأفكار والمشاعر والقرارات والأسئلة التي تدور في ذهن الإنسان، بشريحة مثبتة في الجسم أو ساعة على المعصم متصلة بالخلايا العصبية، ولكل إنسان الحق في السماح بالاقتران في ستة مستويات الأولى سمعية عقلية والثانية صورية ذات 16 بُعدا.

والثالثة ما يود أن يقوله أو يسأله فقط، والرابعة لتدفق مشاعره وردّة فعله اتجاه مسألة ما، والخامسة الاطلاع على كل ما يدور بذهنه من أفكار وعرضها وتبويبها على شاشة المقترن، وأخيراً أسراره التي لا يعلم عنها أحد.

بدا أن نظام الاقتران التخاطري المكتشف في العام 2038 هو الخطوة قبل الأخيرة للسفر عبر الزمن، الذي ظلّ عصياً على العقل البشري، حيث استطاع العالم الفرنسي العربي جون رودي، الذي درس وتعلم وتخرّج من «دبي تك سيتي» من اختراع نظام غامر متعدد يُنسق ذرات الضوء مع خوارزمية يمكنها التعامل مع مليون غيغابايت من بيانات الرسومات، ما يخلق مرئيات مذهلة.

ويسمح بإسقاط أكثر من 8 مليارات من النقاط الضوئية في مساحة حجمية كل ثانية بشكل متزامن على شاشة ترددية هولوغرامية عالية السرعة تصل فوتونات الضوء لها بسرعة الضوء نفسه وكل ذلك أثناء استخدام 10 واط من الطاقة فقط.

بعد إختراع رودي، وبعد السماح للعلماء بإجراء تجارب متقدمة، تطورت تقنيات التخاطر البشري من خلال تحفيز خيوط الأكتوموسين بواسطة كينازات سيرين ثريونين للاتصال بالخلايا التي تعمل على تفعيل التوليف العصبي داخل مجمعات البروتينات المرتبطة بالأكتين.

ويبدأ الاتصال بإرسال إشارة كيميائية إلى الخلايا العصبية فتقرأها وتعيدها على شكل إشارات بيوكيميائية جينية تشبه حد التطابق الجينات البشرية الطبيعية، وبتنصيب شريحة التخاطر الرقيقة في أي جزء من الجسم، بطول 1 سم فقط، أو عبر ساعة اليد، يمكن الولوج إلى أي مستوى من الاقتران ومهما كان عدد المشتركين.

راحت سارة، قبل النشر، تراجع نشرتها الصحفية الدولية التي تصل 500 مليون متابع حول الأرض، بـ 12 لغة، قرأت العنوان مرة أخيرة، قبل بدء الاتصال بالمستوى الأول من جانب واحد مع المشتركين: «عالم واحد، عملة واحدة، لغة واحدة، جواز سفر واحد»، وتأملت أن يتحقق هذه المشروع وهذه الأمنية، لن تحتاج لإرسال 12 حزمة لكل مقال أو تقرير أو تحقيق أو خبر، ستكون كلها حزمة واحدة تصل جميع المتابعين خلال ثانية واحدة.

لمتابعة الحلقات السابقة اقرأ:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات