رواية «الجائحة» - الحلقة الثالثة (اشتباه العدوى - الثلاثاء 14 يناير 2020)

أصرّت شيخة على توصيل سارة إلى بيتها، قالت إن البيت في الجميرا في طريقها، ولن يكون إيصالها متعباً ودفعتها بحنو لتركب معها، وخلال الطريق، وعند الجسر الذي يربط البرشاء مع الجميرا، على شارع الشيخ زايد، قرب مول الإمارات، راحت سارة تتأمل دبي، دانة الدنيا، التي لا تنام، يجتمع فيها العالم، بأكثر من 200 جنسية، مختلفين لوناً وعرقاً ونكهة، لكنهم مجتمعين متآلفين متوحدين، كأنهم رجل واحد، جنسيته الوحيدة هي الإبداع، كانت سارة مُغرمة بدبي، كما لم تُغرم بمكان آخر في الكون، تراها المعلمة الحنون، التي فتحت لها الأبواب لتصبح إنسانة مجتهدة مثابرة، فراحت تسترجع ذكرياتها يوم وصلت دبي لأول مرة، في العام 2003، وكانت تبلغ السابعة عشر من عمرها، وقطعت هذا الجسر تحديداً، قادمة من مطار دبي، في مثل هذا الوقت من الصباح تقريباً، كانت أمها وشقيقتها نوال برفقتها، وتذكرت فرحة شقيقتها بهذه المدينة الساحرة، وكيف ستحقق أحلامها فيها، ثم تذكّرت كيف قطعت شقيقتها التي تكبرها بعامين ذلك الحلم، لحلم آخر في أمريكا، وانتقلت هناك قبل خمسة أعوام، لم تنجح نوال في تحقيق حلم واحد في حياتها حتى النهاية، تتنقل بين الأحلام كطائر أضاع سربه فظنّ أنه قد حصل على الحرية، ولكنه وجد نفسه وحيداً مشوشاً ضائعاً في مهب الريح.


قطعت شيخة سيل ذكريات سارة المتدفقة، وسألت عن الاتجاهات، فأشارت سارة بالذهاب إلى شارع الجميرا، قرب مدينة السلام وفندق برج العرب، ثم الانعطاف يميناً باتجاه أم سقيم 2، قرب مجموعة سامبا المالية، حيث تقطن في بيتها الصغير هناك، فسألت شيخة مرة أخرى: «لا أقصد التدخل في أمور شخصية، فقط للاطمئنان عليك، هل يعيش معك أحد في المنزل؟». فأجابت سارة وهي تجفف آثار العطس بمنديلها، وقالت وهي تبتسم بخبث الصحفي: «إذا كنت تودين معرفة إن كنت متزوجة أم لا، لدي أولاد أم لا، فاقبلي مني الدعوة للإفطار، وسأقص عليك حكايتي منذ ولدت».


ابتسمت شيخة وهي تعتذر لسارة عن الإفطار، وقفت أمام البيت، والتفت نحوها وقالت إنها متشوقة أن تسمع قصتها، لكن عليها بعض المهمات في المكتب، وقد تتمكن من العودة الساعة العاشرة لتناول كوب من القهوة ثم الذهاب للمستشفى، فقالت سارة وهي تفتح باب السيارة وتهمّ بالخروج: «بانتظارك، آمل أن تحصلي على أخبار عن الطفلتين» وأخرجت من حقيبتها السوداء الصغيرة، بطاقة عليها رقم هاتفها وقدمتها لشيخة وهي تقول: «وأرجو أن تتصلي في أي لحظة تحصلين فيها على أية أخبار»، ثم شكرتها وودعتها وأغلقت الباب وهي تدعو لها بالتوفيق.


لم تكد سارة تدخل بيتها وتضع حقيبتها على الطاولة الزجاجية في البهو الرئيسي، الذي تحفه مكتبة تضم أكثر من ألفي كتاب، وشاشة حديثة كبيرة، وعدد من اللوحات القديمة التي تحكي قصص من التاريخ، وقبل أن تجلس وتنادي على خادمتها آني، سمعت صوت جرس الباب، فاستغربت، سألت: «من يمكن أن يزورها هذا الصباح؟» ذهبت آني لتفتح الباب الخارجي بينما أطلّت سارة من خلف ستارة الأباجور المتحركة، رأت سيارة شيخة، شعرت بشيء غريب، سعلت وهي تفتح الباب الداخلي وتدعو شيخة للدخول بصوت متحشرج، لكن شيخة أشارت إليها، وهي في داخل السيارة أن تأتي، مشت إليها، وعادت آني، قالت وهي تقترب: «تفضلي، هل غيّرت رأيك وتشاركينني الإفطار؟»، أشارت شيخة مرة أخرى ولكن برأسها لسارة أن تصعد، قالت وهي تبتسم: «لا، لقد استجدّ أمر هام، هل يمكنك الذهاب معي إلى المستشفى؟».


ابتلعت سارة ريقها، قبل أن تُكمل الأسئلة في رأسها الدورة الألف وتستقر على حجرة مُنى في المستشفى، لا شك أنها ماتت، قالت لنفسها، فبدأت تهزّ جسدها للأمام وللخلف وهي ترتجف وتتنفس بسرعة، انعقد لسانها وهي تحاول أن تشير بيدها وتطلب حقيبة يدها، فهمت شيخة، نزلت بسرعة، أحضرت الحقيبة وانطلقت وهي تحاول أن تُطمئن سارة التي فقدت القدرة على الكلام، لم تتمكن شيخة أن تشي سبب هذه الزيارة العاجلة، لكنها تفطّنت أن فكرة موت مُنى قد استولت على سارة، فقالت بذات سرعة السيارة: اطمئني، مُنى بخير.


نظرت سارة لها وهي تحاول التحرر من مئات الأسلاك التي التفت حولها فجأة، تنهدت وهي تخفف سرعة تنفسها، حاولت استنشاق الهواء من أنفها فلم تتمكن بسبب الاحتقان، لوت جسدها نحو شيخة وهي تسأل عمّا جرى: «هل استيقظت مُنى؟».


الهدوء الذي تتمتع به شيخة يرشحها لتفوز بجائزة عالمية، فمع أن قيادة الشرطة، وبسبب مكالمة عاجلة من وزارة الصحة، أبلغتها قبل قليل، بأن المريضة مُنى قد تكون مصابة بمرض مُعدٍ جديد، ينتشر الآن في الصين، وقد تكون مُنى وصديقتها سارة والدكتورة شيخة والضابط غانم وكل من تعاملت معهم مُنى قد أصيبوا بهذا المرض، ولا بد من إجراء الفحص والحجر الصحي الكامل للجميع، وفوراً، إلا أن السكينة التي ارتسمت على ملامحها وهي تقود سيارتها نحو المستشفى، وقدرتها النفسية الهائلة على تخفيف توتر سارة وقلقها المتزايد، جعلتها تقول: «أعتقد لا، ولكن قيل إن هناك عدوى في المستشفى، وطلبوا مني الذهاب لإجراء الفحص، ففكرت أن ترافقينني، علّ مُنى تستيقظ ونحن هناك».


تنهدت سارة مرة أخرى، اطمأنت بالكامل، لم تنشغل بتلك العدوى على الإطلاق، فهي كلمة عادية متداولة منذ أن يولد الإنسان، خاصة بسبب الإنفلونزا، فقفز ذهنها إلى الطفلتين فسألت: وهل هناك أخبار حول سوزيان؟ أجابت شيخة بسرعة: «حتى الآن لا، ولكن قولي لي، لماذا اسمه سوزيان علال، هل هو من أصول عربية؟»، أسندت سارة رأسها، وهما يقطعان الجسر ذاته، ظهرت الشمس أمامهما، وكانت في الصباح خلفها، فبحثت في حقيبتها عن النظارة الشمسية وارتدتها وهي تقول: «صحيح، سوزيان هو من أصول عربية من الشمال الإفريقي، لكني لست متأكدة إن كان من ليبيا أو المغرب أو تونس أو الجزائر، الصحيح أنني لم أسأل، كان اسمه سفيان، وحين حصل على الجنسية الإيطالية قام بتغيير اسمه إلى سوزيان، هذا كل ما أعرفه».


وقفت السيارة عند مدخل الطوارئ، كان هناك فريق طبي يرتدون زياً يشبه زيّ رواد الفضاء، معدات حماية شخصية خضراء وزرقاء وقفازات متينة وغطاء كامل للرأس مع كمامة وحماية للعينين ورداء طبي بأكمام طويلة وأحذية طويلة مغلقة، اقترب رئيس الفريق وقدم لشيخة وسارة كمامة طبية زرقاء وبيضاء، وقفازات بلاستيكية متينة وأشار لهما أن تتركا الحقائب اليدوية في السيارة، فقط أن تحضران بطاقة الهوية التعريفية، استغربت سارة ونظرت باستهجان نحو شيخة، لكن شيخة قدمت بطاقة هويتها وارتدت كمامتها وقفازها وهي تبتسم لرئيس الفريق وتحث سارة أن تفعل مثلها ثم تقدمتها بخطوات واثقة، ففعلت سارة مثلها ولحقتها بمرافقة الفريق المقنع.


كان الممر نحو غرفة الفحص خالياً من أيّ أحد، راحت سارة تتلفت يمنة ويسرة، لم يكن هذا حالهم في الصباح، أين ذهب الجميع، ماذا يحدث؟ قالت لنفسها، حاولت الاقتراب من شيخة لتسألها، فأشار لها رئيس الفريق أن تبتعد خطوة، فالتفتت لها شيخة وأشارت إليها برأسها أن تهدأ قليلاً.

 

لمتابعة الحلقات السابقة اقرأ:

ـــ  «البيان» تنشر رواية «الجائحة» في حلقات قبل صدورها مطبوعة

ـــ  رواية "الجائحة" - الحلقة الأولى (الحمى - الاثنين 13 يناير 2020)

ـــ  رواية "الجائحة" - الحلقة الثانية («اختطاف» - الثلاثاء 14 يناير 2020)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات