رواية "الجائحة" - الحلقة الأولى (الحمى - الاثنين 13 يناير 2020)

استيقظت على وقع الحمى الشديدة، فتحت عينيها المثقلتين على هاتفها الجوال، وحاولت فتح تطبيق «الواتس أب»، لم يكن السعال الجاف وحده الذي هاجمها في تلك اللحظة، بل سيمون دال مدير التحرير في وكالة أنباء «ف.ج برس». أيضاً، قال باللغة الإنجليزية: «صباح الخير أستاذة، ننتظر تسليم التقرير الصحفي الأسبوعي، قبل الساعة الثانية ظهراً للأهمية»، وضعت الجوال جانباً، حاولت الوقوف، ثم سقطت مغشياً عليها.

سمعت آني صوت سقوط السيدة سارة، شعرت بالخوف، تركت أدوات التنظيف، وأسرعت تصعد سلالم الفيلا الصغيرة، التي تركن قرب بحر الجميرا، كان يناير 2020 مختلفاً هذا العام، هناك شيء غريب في الطقس، فتحت الباب فوجدت السيدة سارة مغمى عليها، ارتبكت وهي تحاول إيقاظها، اتصلت بالإسعاف، وخلال دقائق كانت سارة تتمدد على سرير الطوارئ في مستشفى لوزميرلو الخاص، وفوق رأسها الطبيب مازن، كان زملاؤه يدعونه ماكس، لأسباب غير معروفة، طويل ونحيف، له لحية خفيفة، ويرتدي النظارات، كما يرتديها العجائز، نصفها فوق الأنف وينظر لسارة من فوقها بعينين متسائلتين.

سأل د. ماكس: «منذ متى شعرت بهذه الأعراض؟». قالت: «اليوم فقط، لكني أريد الخروج بسرعة رجاء، لدي أعمال يجب أن أنهيها». قال ماكس بسرعة: «اهدأي، دعيني أفحصك أولاً»، وأجرى لها فحصاً سريرياً وهو يقول: «على الأغلب هي الإنفلونزا الموسمية»، نظرت إليه نظرة خاطفة ثم أدركت أنها لا تزال ترتدي قميص نومها الفيروزي، شعرت بالحياء وغطّت نفسها وهي تسأل آني الكاميرونية عن هاتفها النقال، فأبعد د. ماكس يد آني وقال: «عليك أن تأخذي قسطاً من الراحة»، وقرر أنها مُصابة بالكريب وبنزلة برد وافدة تسبب به فيروس الإنفلونزا، وكتب لها وصفة طبية، تتضمن مستحضر الـ«أوسيلتاميفير» المخصص للكريب مع دواء خافض حرارة، وسمح لها بالخروج.

شكرته سارة وهي ما زالت تسعل، طلبت من آني إحضار سيارة أجرة لحين صرف الدواء من صيدلية المستشفى، فكّرت أن الآلام والأوجاع التي تشعر بها ستختفي فور شرب الدواء، سعلت مرة أخرى وأنفها مغلق بسبب الاحتقان، فسألت الصيدلاني عن دواء لاحتقان الأنف، فقدم لها بخاخاً موضعياً من مضادات الهيستامين، دفعت الفاتورة وغادرت المستشفى مع الكاميرونية، وصلت البيت وهي تعاني من إرهاق شديد، فتناولت الأدوية وجلست تُنهي تقريرها الصحفي الأسبوعي، وكانت في حالة تشويش جرّاء العطس المتكرر والحكّة الشديدة في عينيها.

في المساء، تحاملت سارة ووقفت على نافذة غرفتها تراقب البحر، لم تره حزيناً كما هذه الأيام، قد يكون حزيناً على وفاة السلطان قابوس، سلطان عُمان، أول أمس، كان رجلاً مُحباً طيباً متسامحاً مع الجميع، قالت لنفسها. تذكّرت أن شهري يناير وفبراير من كل عام ذوا طالع سيئ عليها، سمعت موسيقى جوالها تتعالى تدريجياً، إنها مُنى الراقب، صديقتها التي تنظم الفعاليات، كانت معها أول أمس، ماذا يحدث؟ هزّت رأسها وأجابت وهي تلقي بنفسها على السرير، لكنها وقفت فجأة على صوت مُنى الضعيف المتهاوي وهي تئن وتستجدي إنقاذها.

مُنى الراقب، فرنسية من أصل لبناني تعيش في دبي منذ 10 أعوام، جاءت مع زوجها الإيطالي سوزيان إثر الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2009، تركها وحدها مع ابنتيها الجميلتين، نتالي وتاليا، وذهب إلى الصين بحجة إنشاء شركة لتجارة اللحوم المعلبة هناك، مكث هناك 6 سنوات دون أن يتصل لمرة واحدة، فانقطعت أخباره كلياً، فقررت مُنى، ودون تلكؤ، أن تقف على قدميها وحدها تصارع الحياة، فعملت في شركة تنظيم فعاليات دولية وأبدعت في عملها، واستطاعت تكوين مبلغ 100 الف دولار وفتح شركة بدأت صغيرة لتنظيم المعارض والفعاليات، ما لبثت أن أصبحت شركة متوسطة بطاقم عمل أكثر من 20 شخصاً مؤهلاً، وحين علم سوزيان بأنها أصبحت ثرية، عاد يُطالب بلقاء ابنتيه، وحين رفضت، رفع عليها قضية حضانة ادّعى خلالها أنها مشغولة عن تربية البنات، وأنها دائمة السفر، فرُفضت الدعوى، ولم يجد مجالاً سوى استخدام العاطفة من خلال ابنتيه، ليحصل على لقاء أسبوعي لمدة ساعتين في العام 2018، وتدريجياً صار ينام في منزل مُنى، بحجة رعاية الطفلتين أثناء غيابها، كانت رافضة كل ما يحدث لكن دموع نتالي جعلتها تغض الطرف، وتبتلع سلوك هذا الكائن الفوضوي الهجين، ولا تعيره اهتماماً.

لم تكن سارة قادرة على القيادة، فطلبت سيارة أجرة وانطلقت إلى منزل مُنى، التي تقطن شقة فاخرة في منطقة البرشاء، لم تكن المسافة طويلة، لكن الأفكار والهواجس راحت تعبث بها، الحمى تنخفض والجنون يتصاعد، وصلت عند الساعة التاسعة، وطلبت من سائق الإجرة الانتظار، فتحت الخادمة الباب، رأت سوزيان البدين يجلس في الصالة وهو يأكل الفشار، يسعل ويعطس، ويتابع المبارة بين نادي إنتر ميلان ونادي كالياري في كأس إيطاليا، نظر إليها نظرة اشمئزاز، وحكّ أنفه وعينيه وعاد يتابع المباراة.

طرقت باب غرفة مُنى طرقة خفيفة وفتحت الباب، وجدتها في حالة يرثى لها، حولها وعلى سريرها عشرات الأدوية وعصائر الليمون والكلينكس، كانت الغرفة كئيبة تعجّ بالمرض، يلتفّ على وجه مُنى الرقيق فيسلبها جمال وجهها الأبيض الناعم ويحيله إلى قطعة لحم محمرة تكاد تحترق، احتضنتها وهي تسأل عن أحوالها، فقالت مُنى إن الإنفلونزا التي أصابتها قبل يومين، ما زالت مستمرة لكنها أمست خانقة بسبب الالتهاب الرئوي المزمن، وأنها تشعر بضيق نفس شديد، ويرفض سوزيان اللئيم مرافقتها للمستشفى !

طلبت سارة من مُنى الوقوف قليلاً، وساعدتها على ارتداء ملابس للخروج، أخفت تعبها ومرضها، حملت حقيبة مُنى وغادرتا باتجاه مستشفى فونتي المتخصص، كان الهذيان رفيقهما والعطس والسعال يحاصراهما ومُنى لا تتحدث عن شيء سوى ابنتيها، لكن كلماتها التي تقطعت على أنفاسها القصيرة السريعة تكسّرت بدون جملة واحدة مفهومة، وصلتا المستشفى، وعلى الفور تلقى فريق الطوارئ مُنى وتم إدخالها للفحص وأمر الطبيب فوراً بوضعها على أجهزة التنفس الصناعي وإعطائها بعض الإبر المضادة والمسكنة وقبل أن تغفو راحت توصي سارة بقوة على ابنتيها.

نظر الطبيب إلى سارة المتهالكة أيضا،ً سألها عدة أسئلة حول حالتها الصحية، فقصت عليه ما جرى معها صباحاً، فسألها إن كانت تحتاج هي أيضاً علاجاً فقالت إنها أخذت علاجاً ولا تحتاج سوى الاطمئنان على صديقتها.

في منتصف الليل، وحين أكدّت الممرضة أن مُنى لن تفيق قبل الساعة السادسة صباحاً، وأن حالتها شبه مستقرة عبر الأجهزة، عادت سارة إلى بيتها وهي تفكر بنتالي وتاليا، كانت تعلم أن سوزيان يتحرى الفرصة لأخذهما من مُنى، فقط لابتزازها وأخذ ما يستطيع من مالها الذي حصلت عليه بالتعب والعمل، فكّرت أن تعود إلى بيت مُنى والنوم عند الطفلتين، ولكن التعب والإرهاق اللذين لحقا بها جعلاها تُلقي بنفسها على كنبة بيتها وتغطّ في النوم حتى الرابعة صباحاً.

كلمات دالة:
  • رواية،
  • الجائحة،
  • نورا المطيري،
  • البيان
طباعة Email
تعليقات

تعليقات