تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة سياسية معقدة بعد نتائج الانتخابات، حيث لا يعكس المشهد السياسي مجرد صعوبة حسابية في توزيع المقاعد، بل يكشف أزمة أعمق، تتعلق بغياب التوافق على البديل السياسي، أحزاب متعددة، وأغلبية غائبة، وخصوم لا يستطيعون الاتفاق على بديل مشترك.
وبين تمسك نتانياهو بالبقاء في السلطة، ومحاولات المعارضة، بقيادة غادي آيزنكوت إنهاء حكمه، تبدو الخيارات السياسية المتاحة محدودة، فيما يظل احتمال الذهاب إلى انتخابات جديدة مطروحاً بقوة إذا ما استمر الانسداد السياسي من دون أي مخرج.
نتانياهو لا يمتلك أغلبية، تتيح له الحكم منفرداً، والمعارضة لم تنجح حتى الآن في بناء ائتلاف قادر على إنهاء وجوده السياسي، لتتزايد أهمية دور الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي يتولى إجراء المشاورات مع الأحزاب البرلمانية، وتكليف الشخصية، التي يراها الأقدر على تشكيل الحكومة.
مسارات جديدة
وتمنح الإجراءات الدستورية المرشح المكلف مهلة أولية تبلغ 28 يوماً، مع إمكانية تمديدها 14 يوماً، وإذا تعثرت المحاولات المتعاقبة يمكن الانتقال إلى مسارات برلمانية أخرى، وصولاً إلى حل الكنيست، والدعوة إلى انتخابات جديدة إذا استنفدت فرص تشكيل الحكومة، وفشلت جميع المساعي بعد انقضاء مهلة الستة أسابيع مرتين، أي الـ12 أسبوعاً، فيُصار إلى الدعوة لانتخابات جديدة.
يدرس مسؤولون كبار في معسكر التغيير في إسرائيل إمكانية إجراء انتخابات مباشرة لرئاسة الحكومة، في خطوة تهدف إلى إيجاد حل للمأزق السياسي.
ووفق ما أفاد به مواقع إسرائيلية فإن أحد الخيارات المطروحة للنقاش هو الانتقال، لمرة واحدة، إلى نظام الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة، وهو نموذج سبق أن طرحه رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو بعد انتخابات الكنيست عام 2021، ولذلك يُطلق عليه داخل معسكر التغيير اسم «نموذج نتانياهو 2021».
وبموجب هذا المقترح يختار الناخبون رئيس الحكومة مباشرة، ويحصل المرشح الفائز على إمكانية تشكيل حكومة بصورة تلقائية، دون الحاجة إلى ضمان أغلبية من 61 عضو كنيست.
اتهامات
اتهم ناشطون في حزب «الليكود»، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالتسبب في تعبئة الناخبين العرب، ودفعهم إلى المشاركة بكثافة في انتخابات «الكنيست».
وقال ناشطون في «الليكود»، إن التصريحات الحادة، التي أطلقها بن غفير لم تحقق المكاسب الانتخابية المرجوة لليمين في منطقة النقب، بل أدت إلى نتيجة عكسية، بعدما دفعت عشرات الآلاف من الناخبين العرب إلى التوجه لصناديق الاقتراع والتصويت احتجاجاً على سياساته، حسبما ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية.
سيناريوهات
وبدأت تطرح العديد من السيناريوهات خوفاً من اللجوء إلى الانتخابات كونها حلاً نهائياً اضطرارياً، إذ يبرز خيار حكومة الوحدة الوطنية باعتباره أحد المخارج المطروحة، حيث يمكن أن يجمع الليكود مع أحزاب وسطية ويمينية معارضة، في ائتلاف يصل حسابياً إلى 66 مقعداً، لكن هذا السيناريو يتطلب تنازلات متبادلة؛ إذ سيكون على نتانياهو التخلي عن بعض حلفائه من اليمين المتشدد والأحزاب الدينية، فيما ستضطر أحزاب المعارضة إلى التراجع عن تعهداتها الانتخابية المتعلقة بإبعاده عن رئاسة الحكومة.
السيناريو الثاني أن ينجح غادي آيزنكوت في إقناع حليفَيْه بينيت وليبرمان بالقبول، بالتعاون مع الكتلتين العربيتين، بما يضمن لهم أكثرية ثقة، من دون مشاركة فلسطينية وزارية، لكن العرب لن يوافقوا على ذلك.
والسيناريو الثالث أن يجري تشكيل حكومة وحدة وطنية يهودية إسرائيلية، أي أنها تستثني الأحزاب الفلسطينية (والأرجح ألا يشارك فيها اليسار الإسرائيلي)، ويتم ترؤسها مداورة، وهذا قريب مما يريده الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، ويشجّع عليه الأمريكيون أيضاً، لكن رفض شخص نتانياهو كونه رئيساً من قبل آيزنكوت يعقّد المهمة.
إسرائيلياً تتجه الأنظار إلى معركة جديدة داخل الكنيست الجديد، فقد كشفت «يديعوت أحرونوت» أن ممثلي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان يناقشون استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا عند افتتاح المجلس، ويتطلب ذلك تعاوناً مع القوائم العربية، بما يسمح بنقل السيطرة على جدول الأعمال التشريعية إلى الأكثرية المقابلة، حتى قبل تشكيل حكومة جديدة، وهنا تبدأ ترجمة خسارة نتانياهو أكثريته إلى خسارة أدوات فعلية في إدارة المؤسسات. تشمل الأجندة المتداولة تحديد مدة تولي رئاسة الحكومة، وتعديل قوانين التجنيد.
