تتطلب الصياغة القانونية بمختلف أشكالها (الصياغة التشريعية، صياغة صحائف الدعاوى والأحكام، صياغة الفتاوى والآراء القانونية، صياغة العقود، وغيرها) معرفةً لغويةً تضمنُ ولادةَ نص قانوني يتسم بالوضوح والدقة والانضباط لفظاً ومعنى، بعيداً عن الاستطراد والحشو والغموض والاضطراب، وتعتبر اللغة حجر الأساس في الصياغة القانونية.
وفي هذا الصدد، يقول سالم إبراهيم الأحمد، رئيس قسم البحوث والإصدارات في الأمانة العامة للجنة العليا للتشريعات: «ننطلق في الحديث عن اللغة القانونية وخصائصها الفريدة بوصفها علماً وفناً ومهارة؛ فاللغة القانونية هي لغة تخصصية بطبيعتها، من حيث المفردات والتراكيب والمقصد، فهي تختلف عن اللغة الأدبية على سبيل المثال، بل تكاد تتناقض معها، وهذا أمر مُفترض إذ إن الهدف من إنشاء نص قانوني يختلف عن الهدف من كتابة رواية، أو قصيدة.
والنص القانوني المتميز يتصف بالوضوح والمباشرة والواقعية، ويعيبه أن يكون غامضاً أو خيالياً، بينما يتميز النص الأدبي بالمجاز والمبالغة والخيال وتعدد التأويل؛ لذلك يمكننا القول إن الصفة التي تميز النص القانوني وتجعله مُحكماً متماسكاً، هي ذاتها التي تجعل من النص الأدبي هزيلاً لا يرتقي لمستوى الأدب الرفيع، ويؤكد ذلك الدكتور عبد الرزاق السنهوري أحد أعلام الفقه والقانون في الوطن العربي أنه يجب أن تكون لغة التقنين واضحة ودقيقة؛ فاللغة المعقدة تجعل القانون مغلقاً، كما أن اللغة غير الدقيقة تجعل القانون مبهماً».
ويضيف الأحمد: «لا شك أن النصوص التشريعية هي أهم أشكال الصياغة القانونية، فهي التي تحدد الحقوق والواجبات، وتبيّن المسؤوليات والصلاحيات والامتيازات ومن هنا فإن هذه النصوص يجب أن تتسم بالسهولة والبساطة، وأن تخلو من المحسنات والأساليب البلاغية، حتى لا تُلحِق غموضاً بالمعنى قد يكون مطلوباً في لغة الأدب، لكنه من المحظورات في اللغة القانونية.
وتعتبر اللغة الرصينة هي أول ما يحتاجه كاتب النص القانوني بمختلف أشكاله، ولكي تكون اللغة كذلك، فإنها لا بد أن تكون سليمة ابتداءً، والأمر لا يتوقف على الكاتب فقط، بل لا بد لقارئ النص أيضاً أن يمتلك الحد الأدنى من الأدوات المعرفية واللغوية اللازمة لفهم مقاصد النص ومقتضياته، حتى يكون في مأمن من أي تبعات قد تلحق به في حال مخالفة الحكم الوارد فيه».
الدقة والوضوح
ويقول سالم إبراهيم الأحمد: «إن القانون صنعة لغوية قبل كل شيء؛ لذلك قالوا إن اللغة هي نصف العمل القانوني، ولكي تكون نصوص القانون قابلة للتطبيق بشكل سليم، لا بد أن تكون واضحة ودقيقةً، ومنسجمةً عبر صياغة لغوية تقارب بين أحكام القانون بطبيعتها المُلزمة، والضوابط اللغوية الصحيحة التي تعبر عن تلك الأحكام وهذا الإلزام. وإن العمل على تعزيز اللغة القانونية والحرص على سلامة استخدامها، له نتائج إيجابية، ترتبط بحسن تطبيق القانون وتحقيق العدالة، وحماية المصلحة العامة وكفالة حقوق الأفراد؛ لذلك فالعلاقة وثيقة بين القانون واللغة، وقد قال القدماء في هذا الصدد، إن علوم اللغة العربية لا يحتاج إليها المفتي وحده، بل يحتاج إليها المفتي والمستفتي، والمدعي والمدعى عليه، فتبديلُ حركة في حرف قد يبدل القضاء من حق إلى باطل، أو من باطل إلى حق، ومن ذلك ما يُروى عن الكِسائي (اللغوي) أنه قال: اجتمعت أنا وأبو يوسف (القاضي) عند هارون الرشيد، فبدأ أبو يوسف يذمّ النحو ويقول: ما النحو؟ فقلت وأردت أن أعلّمه فضل النحو: أسألك عن مسألة في الفقه، قال: سل، قلت: ما تقول في غلام لك قُتل فاتهمتَ به رجلين، فسألتهما عن أمره، فقال أحدهما: أنا قاتلٌ غلامَك، وقال الآخر: أنا قاتلُ غلامِك، أيهما القاتل عندك؟ قال أبو يوسف: جميعاً، فقال له هارون: أخطأتَ، وكان له علم بالعربية، فاستحيا القاضي وقال: كيف ذلك؟ فقال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال: أنا قاتلُ غلامِك، أما الذي قال: أنا قاتلٌ غلامَك - بالتنوين - غير قاتل، أراد: سأقتل غلامك، فهو تهديد، فإنّه لا يؤخذ لأنّه مستقبل لم يكن بعد، كما قال اللّه تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لشيء إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) (الكهف: 24)، فلولا أنّ التنوين مستقبل ما جاز فيه غداً.
ويضيف: من ذلك ما ذكره ابن فارس في كتابه «فُتيا فقيه العرب» بأن رجلاً ادّعى مالاً بحضرة القاضي أبي عبيد بن حربويه، فقال الرجل: مالُه عليَّ حق، «بضم اللام في كلمة مالُه»، فقال القاضي أبو عبيد: أتعرف الإعراب؟ قال: نعم، فقال: قم، قد ألزمتُكَ المال. فهو قد اعترف بالمال، فلو قال: ما لَه عليَّ حق، لأنكر المال، ولم يُلزمه به.
ضوابط لغوية
ويشير سالم الأحمد إلى أنه من الواضح أن ثمة اتفاقاً بين المختصين قديماً وحديثاً على أهمية الإلمام بالضوابط اللغوية لمن يعمل في الحقل القانوني، وكذلك معرفة الأسلوب اللغوي المناسب لكتابة النص القانوني. إذ يشير الدكتور سعيد بيومي إلى أن النصوص القانونية ضروب مختلفة؛ منها النصوص الآمرة، وهذه يجب أن تكون في أسلوب حازم قاطع، ومنها النصوص المكمِّلة، وهذه يكون أسلوبها مرِناً يتفق مع الغرض الذي وضعت من أجله. وهذا ما يدفعنا إلى القول: إنّ سمات النص القانوني ليست ثابتة، بل تختلف وفقاً لشكله وما يقتضيه الحال؛ فالنص التشريعي على سبيل المثال لا يمكن صياغته بالأسلوب اللغوي نفسه الذي يُصاغ به الرأي القانوني أو الحكم القضائي. ولا ريب في أن علاقة اللغة بالقانون علاقة ضرورية وحتمية، فاللغة هي الأداة الضرورية للتعبير عن الأفكار، والمشرّع يحتاج اللغة لصياغة التشريعات، والمحامي يحتاج إليها في المرافعات، كما يحتاج إليها القاضي في إصدار الأحكام.
ويتابع: «إن الإلمام بضوابط اللغة وفنونها، وبالمضمون القانوني للنص يُحقق أهدافاً، لا يمكن تحقيقها من خلال التركيز على دراسة القانون وحده، فإن أجاد القانوني اللغةَ، امتلك اللغة القانونية التي تمكنه من فهم النصوص القانونية، وكتابتها بمهارة واقتدار، فالتركيب اللغوي الصحيح للنصوص من الممكن أن يكون سبباً في تحقيق العدالة الناجزة».
ويختم الأحمد قوله بالإشارة إلى ضرورة الاهتمام بالتأهيل اللغوي المستمر لأعضاء السلطة القضائية، والمشرّعين، والقائمين على تطبيق التشريعات، كما نوصي بتدريس المهارات اللغوية الأساسية المرتبطة باللغة القانونية، لطلبة كليات القانون، سواءً في مرحلة البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، حتى نمكّن خريجي هذه الكليات من امتلاك أحد أهم الأدوات التي تساعدهم في أي مجال من مجالات العمل القانوني.
لمتابعة كل ماجاء في ملحق البيان التشريعي اضغط على العناوين التالية:
ـــ دستور دولة الإمارات العربية المتحدة
ـــ «محمد بن راشد للمعرفة» ريادة بتمكين اللغة العربية
ـــ الإمارات ترسّخ ثقافة القراءة بضوابط تشريعية
ـــ التشريع
ـــ تحدي القراءة العربي مبادرة معرفية رائدة
ـــ جائزة محمد بن راشد للغة العربية صون لمكانة لغة «الضاد»
ـــ تحدي القراءة العربي مبادرة معرفية رائدة
ـــ تحديد دلالات ألفاظ التشريعات

