أذكر قبل عشر سنوات من يومنا هذا، حيث كنت، وما زلت، كثير الاطلاع على المقالات المعنيّة تحديداً باللغة العربية وما يتعلق بها، أنّ معظم ما كان يكتب في ذلك الحين عن اللغة العربية، وإن لم يكن جلّه كتابات تميل إلى التشكّي والتذمّر، عن وضع اللغة العربية، وأن هذه اللغة أصبحت مهملة من أصحابها، وأنه طغى أو سيطغى عليها قريباً اللسان العالمي إن صح القول، وهو ما نعني به اللغة الإنجليزية.

لقد كانت الأقلام في ذلك الوقت وما زال بعض منها حتى يومنا هذا، تحمل همّ اللغة العربية بشكل كبير وجاد، ولتلك الأقلام كل الشكر والتقدير على الإثارة التوعوية، وعلى الإنارة الثقافية، ولا شك في أنّ من بين من كتب تلك الكتابات، من حَرصَ وتنبّه، وبالمقابل للأسف منهم من هَمَلَ وتأبّه.

نعم.. حتى اليوم هناك بعض التحدّيات التي تواجه اللغة العربية، ولن أسرد في هذا المقال شيئاً من هذه التحديات، لأن الأقلام الكبيرة والخبيرة، مثلما نوّهت سلفاً لم تقصّر، ولأن الجهات المعنيّة كذلك لم تبخل باحتضان مسألة اللغة العربية في مؤتمراتها وندواتها وفعالياتها، هذا بالإضافة إلى دور وزارة التربية والتعليم، وما تقوم به من دور رئيس ومهم، وبغض النظر عن نسبة ما حُقّق من آمال وطموحات جرّاء هذه المساهمات، إلّا أنني أود أن أشير إلى أنّ هناك مبادرات تبشّر وتؤشّر إلى أنّ اللغة العربية لغة ستبقى وسترقى إلى مقدمة صفوف اللّغات الأولى بإذن الله.

وما لفت انتباهي مرّة ما ذكره لي مؤسّس معهد الرمسة الإماراتي، أنّ أحد الكتّاب الأجانب أجرى بحثاً يتناول قضية تدور في أنّ اللغة العربية أثّرت في اللغة الإنجليزية، وهو تماماً عكس ما نتناوله نحن العرب عن منظورنا لما يدور في شان لغتنا مؤثراً وتأثيراً!

وفي مقالي هذا سأتطرق إلى مبادرة نوعية، أسهمت بشكل جميل وملحوظ في تعزيز وتمكين اللغة العربية بين موظفي حكومة دبي، مبادرة أطلقتها «اللجنة العليا للتشريعات»، وهي عبارة عن منشورات إلكترونية تحمل عنوان «قهوة عربية»، حيث تأتي هذه المبادرة مبرزةً جماليات وفروق اللغة العربية، كما تسلط الضوء على مواضيع عديدة في هذا الجانب، وذلك بإخراج فني ممتع، وبمحتوى أدبي مقنع.

الجميل أنّ مبادرة «قهوة عربية» تضمّنت عدة فناجين في محتواها، وقبل أن أتطرق لأمثلة عليها أود أن أشير إلى الاختيار الموفق لهذا العنوان، حيث يأتي مازجاً بين ذائقة النكهة العربية بالمعرفة الثقافية المنشودة، والكرم العربي بمقدار بسيط ومحبّب ومختصر متماشياً مع مقدار القهوة العربية الأصيلة، كأنّ هذه المعرفة قُدّمت بالطريقة العربية الأصيلة.

أمّا الفناجين المتنوعة التي تناولتها هذه المبادرة فهي عديدة، ومن الأمثلة عليها فنجان «قل ولا تقل»، ومثال عليه (قل معوّقات ولا تقل مُعيقات)، مع شرح موجز لكل كلمة من هاتين الكلمتين، وفنجان آخر بعنوان «فوائد لغوية»، ومثال عليه معنى كلمتي التحسّس والتجسّس، وفنجان آخر بعنوان «أخطاء شائعة»، ومثال عليه انتشار كلمة اجتماع افتراضي، والصحيح أن يقال اجتماع عن بعد، وفنجان آخر بعنوان «فروق لغوية»، ومثال عليه الفرق بين الخاطئ والمخطئ، وفنجان آخر بعنوان «اكتبها صح»، وهو ما يوضح الكتابة الصحيحة لبعض الكلمات التي يُخطئ فيها بعضهم مثل كلمة (شيء)، وفنجان نختم به بعنوان «من العامي الفصيح»، وهو يأتي بكلمة أو مصطلح يُعتقد بأنه عامي ولا يمت إلى الفصحى بشيء، ومن هذا الفنجان يبرهن العكس.

لقد خلقت هذه المبادرة اللطيفة جواً ماتعاً بين موظفي حكومة دبي، فشخصياً تبادلت مع غير شخص الحديث عن بعض المحتويات التي قدمتها هذه المبادرة في أسابيعها الماضية، وهناك من استفاد من الشق المعرفي، وهناك من استفاد أيضاً من الشق الشكلي، أي رَسخت في ذهنه عناوين الفناجين الفرعية مثل قل ولا تقل، ما جعله يقوم بتصحيح أخطاء زملائه تحت هذا العنوان بصورة ظريفة ومفيدة.

مثل هذه المبادرات التي تبدأ بسيطة الشكل والمحتوى، تحتاج إلى دعم أكبر من المعنيين، وخاصة إذا ما أصبح أثرها ملموساً بين شرائح المجتمع، فبالدعم سيتحقق عبر هذه النوعية من المبادرات أمران، الأول: إبراز وتمكين لغتنا العربية، والثاني: تحقيق مؤشر الاقتصاد الثقافي، وهو ما سيتطلب تطوير هذه المبادرة إلى مبادرة رقمية نوعية، وإلى منشور ذكي يصل إلى جميع أطياف المجتمع بصورة أكثر تشويقاً وإمتاعاً، وكم نطمح إلى أن نجد مثل هذه المبادرات قد وصلت يوماً إلى العالمية.

* مدير إدارة الآداب بالإنابة - هيئة الثقافة والفنون بدبي