رحلة المعكرونة «الاسباغيتي».. ماذا يحدث لجسم الإنسان داخل ثقب أسود؟

لا يشبه السقوط في ثقب أسود أي رحلة أخرى في الكون، فبمجرد الاقتراب من هذا الجسم الفلكي شديد الكثافة، تبدأ الجاذبية الهائلة في تغيير شكل الأجسام ومسارات الضوء، بل وتؤثر في مرور الزمن نفسه، وصولاً إلى نقطة لا يستطيع أي شيء بعدها العودة، حتى الضوء.

وتوضح وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» أن الثقب الأسود منطقة في الفضاء تتركز فيها كتلة هائلة داخل حيز صغير للغاية، ما ينتج مجالاً جاذبياً قوياً إلى درجة تمنع الضوء من الإفلات منه، ولهذا لا يمكن رؤية الثقب الأسود مباشرة، وإنما يرصد العلماء تأثيره في النجوم والغازات والمواد المحيطة به.

نقطة اللاعودة

تبدأ الرحلة نحو الثقب الأسود بالاقتراب من حد فاصل يُعرف باسم «أفق الحدث»، وهو الحدود التي يصبح تجاوزها بمثابة دخول في اتجاه واحد، إذ لا يستطيع أي جسم أو إشعاع، مهما بلغت سرعته، الخروج مجدداً إلى الفضاء الخارجي.

وتشير ناسا إلى أن أفق الحدث ليس سطحاً صلباً يمكن الاصطدام به، بل يمثل الحد الذي تتجاوز عنده سرعة الإفلات المطلوبة سرعة الضوء، وبمجرد عبوره، يصبح الرجوع مستحيلاً وفق فهم الفيزياء الحالي.

وقبل الوصول إلى هذه النقطة، يبدأ الضوء القادم من النجوم والأجسام الموجودة خلف الثقب الأسود في الظهور بصورة مشوهة، نتيجة انحناء مساراته بفعل الجاذبية الشديدة، إذ يمكن أن تبدو النجوم وكأنها امتدت حول الثقب أو اتخذت أشكالاً غير مألوفة.

جسمك يتحول إلى خيط طويل

لكن التأثير الأكثر غرابة لا يتعلق بالرؤية وحدها، بل بما يحدث لجسم الإنسان نفسه. فكلما اقترب الجسم من الثقب الأسود، ازداد الاختلاف في قوة الجاذبية بين الجزء الأقرب إليه والجزء الأبعد عنه.

وتكون قوة الجذب عند القدمين، على سبيل المثال، أكبر منها عند الرأس، ما يؤدي إلى تمدد الجسم طولياً وانضغاطه في الاتجاهات الأخرى، حتى يأخذ شكلاً يشبه خيطاً طويلاً من المعكرونة.

وتُعرف هذه الظاهرة علمياً باسم «الاستطالة المعكرونية» (Spaghettification)، وهي نتيجة ما يُعرف بقوى المد والجزر الجاذبية، وتوضح ناسا أن هذه القوى تزداد مع الاقتراب من الثقب الأسود، ويمكن أن تمزق الأجسام وتفككها قبل وصولها إلى مركزه.

ولا يحدث ذلك بالضرورة عند المسافة نفسها في جميع الثقوب السوداء، إذ يعتمد الأمر على كتلتها، ففي الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية، تكون قوى المد والجزر شديدة بالقرب من أفق الحدث، ما يجعل الجسم يتعرض للتمدد والتمزق قبل عبوره، أما في الثقوب السوداء فائقة الكتلة، فيمكن أن يعبر الجسم أفق الحدث قبل أن تصبح هذه القوى مدمرة بالدرجة نفسها، لكنه لن ينجو من الاقتراب أكثر نحو الداخل.

ومن الظواهر التي تجعل السقوط في الثقب الأسود أكثر غرابة، اختلاف طريقة مرور الزمن بين الشخص الذي يسقط داخله والمراقب الذي يتابعه من مسافة آمنة.

فبالنسبة إلى المراقب البعيد، يبدو الشخص الساقط وكأنه يتباطأ تدريجياً كلما اقترب من أفق الحدث، كما يصبح الضوء الصادر عنه أكثر احمراراً وخفوتاً، إلى أن يتلاشى عن الرؤية.

أما الشخص الذي يسقط داخل الثقب الأسود، فيمر بأفق الحدث خلال فترة زمنية محدودة وفق ساعته الخاصة، ولا يشعر بأن الزمن توقف عند تلك النقطة. وهذا الاختلاف يرتبط بتأثير الجاذبية الشديدة في الزمن والضوء، وفق تفسير نظرية النسبية العامة.

ماذا يوجد في مركز الثقب الأسود؟

بعد عبور أفق الحدث، تصبح العودة إلى الخارج مستحيلة، ويواصل الجسم رحلته نحو المنطقة الداخلية التي تتوقع النظريات الحالية وجود ما يُعرف باسم «المتفردة» في مركز الثقب الأسود.

وتشير المتفردة، وفق النماذج الرياضية للنسبية العامة، إلى منطقة تصل فيها كثافة المادة وانحناءات الزمكان إلى قيم هائلة، لكن العلماء لا يمتلكون حتى الآن وصفاً فيزيائياً مكتملاً لما يحدث هناك، إذ لا تزال طبيعة هذه المنطقة من أبرز الألغاز التي تواجه الفيزياء الحديثة.

وتؤكد ناسا أن ما يحدث داخل أفق الحدث لا يمكن رصده مباشرة من الخارج، كما أن فهم المراحل الأخيرة من السقوط يظل مرتبطاً بالنظريات الفيزيائية المتاحة، التي لم تقدم حتى الآن تفسيراً نهائياً لما يحدث عند المتفردة.