نعتقد أننا نعرف كيف بدأت قصة الكمبيوتر: الحرب العالمية الثانية، وغرف تعج بالآلات والأسلاك، وسباق محموم لفك الشيفرات، ثم أجهزة أخذت تصغر جيلاً بعد جيل حتى استقرت في النهاية على مكاتبنا وفي جيوبنا.
وتبدو هذه بداية منطقية لقصة أهم آلة في العصر الحديث، لكنها في الحقيقة تبدأ قبل ذلك بزمن بعيد، قبل الكهرباء والمعالجات والأسلاك، بل حتى قبل أن يكون هناك شيء يمكن أن نسميه «كمبيوتر».
للوصول إلى جذور الحكاية، علينا العودة أكثر من ألفي عام، إلى وقت كان فيه أرسطو منشغلاً بسؤال لا يبدو للوهلة الأولى أن له علاقة بالتكنولوجيا: كيف نعرف أن تفكيرنا منطقي؟ وهل يمكن وضع قواعد محددة تضمن أن تقود المقدمات الصحيحة إلى استنتاج صحيح؟
ولم يكن الفيلسوف اليوناني يحلم بآلة تفكر، لكنه كان يحاول فعل شيء سيصبح مهماً بعد قرون طويلة: تنظيم المنطق وتحويل التفكير من عملية تبدو غامضة إلى شيء يمكن دراسة قواعده.
ومن هنا تصبح قصة الكمبيوتر أكثر إثارة من مجرد تاريخ للآلات، فخلف الشاشة والبطارية والمعالج توجد طبقة لا نراها عادة، هي المنطق.
والكمبيوتر لا يحتاج فقط إلى الكهرباء لكي يعمل، إنما إلى قواعد تحدد كيف يتعامل مع المعلومات، وماذا يفعل عندما تتحقق حالة معينة، وكيف ينتقل من خطوة إلى أخرى، وما بدأ سؤالاً عن طريقة تفكير الإنسان، وجد بعد قرون طريقه إلى طريقة عمل الآلة.
لكن الوصول إلى تلك النقطة احتاج إلى قفزة أخرى، ففي القرن التاسع عشر، دخل عالم الرياضيات الإنجليزي جورج بول محاولاً معرفة إذا كان من الممكن التعامل مع المنطق كما نتعامل مع الرياضيات، فبدلاً من الاكتفاء بمناقشة «الصحيح» و«الخاطئ» بالكلمات، حاول تحويل العلاقات المنطقية إلى نظام جبري يمكن التعبير عنه بالرموز وإجراء العمليات عليه.
ونشر بول عام 1847 عملاً حول التحليل الرياضي للمنطق، قبل أن يوسع أفكاره عام 1854 في كتابه «تحقيق في قوانين الفكر».
ومن هذه المحاولة ولد ما سيعرف لاحقاً بـ«الجبر البولياني»، وهي لحظة مهمة في الرحلة بين المنطق القديم والحوسبة الحديثة.
وبعد ذلك بوقت طويل، وجدت هذه الثنائية مكاناً طبيعياً في الحوسبة الرقمية، حيث يمكن تمثيل حالتين بـ«1» و«0»، وهنا تحول المنطق إلى شيء يمكن ترجمته إلى عمليات.
ومع بداية القرن العشرين، أصبح السؤال الأهم: ما الذي يمكن للآلة أن تحسبه أصلاً؟ وهنا يظهر آلان تورينغ، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الحوسبة النظرية، ففي عام 1936، وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، قدم نموذجه النظري الذي أصبح يعرف بـ«آلة تورينغ»، في سياق بحثه في طبيعة المسائل التي يمكن حسابها آلياً.
وهذه النقطة تعيدنا إلى الصورة التقليدية التي بدأنا منها، صحيح أن الحرب العالمية الثانية شكلت مرحلة مهمة في تطور الحوسبة، وأن آلات الحوسبة وفك الشيفرات أصبحت جزءاً بارزاً من تاريخ تلك الفترة، لكن الأسئلة التي مهدت الطريق إليها كانت أقدم كثيراً، فقبل أن تمتلئ الغرف بالأسلاك والآلات، كان الرياضيون والفلاسفة قد أمضوا زمناً طويلاً في محاولة فهم المنطق والحساب وما يمكن تحويله إلى سلسلة من القواعد الدقيقة.
ولا يعني ذلك أن هناك خطاً مستقيماً يبدأ عند أرسطو وينتهي بالهاتف الذكي، فتاريخ الكمبيوتر أكثر تعقيداً، وشارك في صنعه عدد هائل من علماء الرياضيات والمخترعين والمهندسين، كما تطورت أفكاره عبر مسارات متقاطعة، لكن اللافت أن جزءاً مهماً من الأساس الفكري للحوسبة سبق الكمبيوتر نفسه بقرون.
واليوم، اختفت تقريباً كل تلك الرحلة خلف بساطة الاستخدام، فنلمس الشاشة فتظهر صورة، ونكتب كلمة فنحصل على آلاف النتائج، ونطرح سؤالاً على نظام للذكاء الاصطناعي فتصل الإجابة خلال ثوانٍ، وقد تبدو هذه التقنيات حديثة إلى درجة يصعب معها تخيل أن وراءها قصة فكرية تعود إلى عالم لم يعرف الكهرباء.

