إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

برشلونة 1929.. ثورة تكنولوجية ومعمارية في إسبانيا

قبل أن يُعقد إكسبو برشلونة 1929 سبقه إكسبو آخر في 1888 فقد حضر إكسبو برشلونة الأول 22 دولة من أنحاء العالم واستقبل 2.240 مليون زائر، وساهم أكثر من 100 مهندس معماري في تصميم مباني إكسبو برشلونة على طراز الحداثة، ثلاثة منهم مشهورون بشكل خاص بمبانيهم الرائعة: أنطوني غاودي وجوزيف بويك، ودومنيشي مونتانير. وقد أقيم في باركيه دي لا ثيوداديلا، التي كانت تابعة سابقاً للجيش وعادت إلى ملكية بلدية المدينة عام 1851.

واشتملت أعمال إكسبو على إعادة تأهيل منطقة حي لا ريبرا، والتي تحظي بتقدير قليل من جانب سكان برشلونة؛ ويرجع ذلك إلى القمع الذي مارسه الجيش على المدينة، وبالإضافة إلى ذلك، أدى حافز أعمال إكسبو إلى تحسين البنية التحتية للمدينة بأكملها، الذي أعطى دفعة هائلة نحو التحديث والتطوير رغم اعتراض بعض الحركات القومية المحلية لذلك يمثّل إكسبو المرحلة التجريبية لأسلوب فني جديد وهو الحداثة، والتي سادت حتى أوائل القرن العشرين، ولا سيما بين طبقة البرجوازية؛ حيث تركت أعمالاً فنية ذات قيمة فنية ومعمارية، محولة برشلونة إلى مدينة حداثية، جنباً إلى جنب مع التراث القوطي في أسلوب يوضح هوية المدينة.

تم تطوير إكسبو هذا في مساحة 450 ألف متر مربع، والذي شمل محيط قوس النصر، والذي عُد بوابة دخول الموقع، وباركيه دي لا ثيوداديلا وحديقة الحيوان وجزء من محطة فرنسا الحالية وصولاً إلى ما يُسمى اليوم بمستشفى ديل مار وبارثيلونيتا. ودعمت جميع السلطات في برشلونة من ضمنهم أسقف برشلونة جوامي كاتلا إيألبوسا، كما تحمّس لانعقاده السلطة الملكية الحاكمة وحضره الملك ألفونسو الثالث عشر، الذي كان يبلغ وقتها عامين فقط، والملكة الوصية ماريا كريستينا وأميرة أستورياس ماريا دي لاس مرسيديس ورئيس الحكومة، وعمدة المدينة.

تمكين التكنولوجيا الحديثة في صناعة الكهرباء والمحركات

ومن أهم الشـــخصيات التي زارت إكسبو برشلونة: دوق إدنبــرة ألفــريد دوق ساكس كوبورغ وغوتا ودوق جنــوة والأمراء إدوارد السابع وروبرتو إيه بافاريا، جنباً إلى جنب مع وزراء الحرب والتنمية والبحــرية والـنواب وأعـــضاء مـــجلس الشيوخ وأعضاء مجـــلس مدينة برشــلونة والوفود الدبلوماسية.

الصناعة الكاتالونية

وبعد نجاح إكسبو برشلونة عام 1888، قررت الحكومة زيادة تعزيز صورة الصناعة الكاتالونية، والتركيز على الصناعة الكهربائية التي بدأت عام 1917، ولكن تم تأجيله بسبب الحرب العالمية الأولى.

وقد أدى انعــقاد إكســبو برشلونة إلــى بناء الفنادق اللازمة حول المنطقة التي يُقام فيها، ولزيادة تزيين المنطقة، صمم المهنــدس المعــماري أنتوني داردر الأعمــدة الموجودة حول الساحة الرئيــسية فــي المدينة التي استوحاهــا من ساحة سان بيترز الباروكي. وفي الساحة المحاذية لإكسبو، يمـــكن العثور على نافورة من التصميم الكلاسيكي تمثل جميع الأنــهار الإسبانية الرئيسية والــفوائد التـــي يعطـــيها الماء للمجـــتمع، وعـــروض مائية استعراضية تجذب الأنظار.

وأقيم إكســـبو برشلونة في قصور عدة على طول المنطقة، وتم تخصيص كل نشاطات من أنشطة إكسبو، ومكرسة للتكنولوجيا الحديثة في صناعة الكهرباء والمحركات وكل ما له علاقة بفن النسيج وغيره، منها قصر ناسيــونال الكلاسيـــكي، المستوحى من عصر النهضة.

وقررت الحكومة بما جنته من أموال الإكسبو إلى إصلاح المناطق المحيطة، من خلال إنشاء الحدائق. وهذا ما دفع بالمهندسين إلى استخدام مخيلتهم في إحياء المسرح اليوناني وبابلو أسبانيول وفيلا أوليمبيك وغيرها من المناطق الأثرية. وبعدها تم تحديث هذه المنطقة لتخصيص الألعاب الأولمبية لعام 1992.

شخصية تراثية

وحرصت إسبانيا أن تقدم إكسبو برشلونة مزينة بالشخصية التراثية التي تعتز بها وهي رجل بلباس إسباني تاريخي يمثل فرسانها المنحدرين من القرن السادس عشر، مدججاً بسلاحه.

وتم اقــتراح إكـسبو جــديد لتسليــط الـــضوء على التقدم التكـــنولوجي الإضــافي للمـــدينة وزيادة الوعي في الصــناعة في منـــطقة كــتالونيا، والتخطيط الحـــضري للمناطق المجاورة، وأصبح مكاناً لاختبار الأساليب المعــمارية الجديدة التي تم تطويرها في أوائل القرن العشرين على المستوى المحلي، كان ذلــك إيذاناً بـــولادة الحــداثة المعمارية في مقابل البناء الكلاسيكي.

تشييد هياكل رمزية

وســمح إكـسبو برشــلونة أيضاً بتشييد الـــعديد من المبــاني والهياكل الرمزية، بما في ذلك بالاو ناسيونال دي كاتالونيا، والمسرح الأغريقي، واستاد أولمــبيك، وبوبل إسبانيول، حيث كــان إكسبو بحاجة إلى 110 هكتارات، ولم يكن لدى مجـــلس مدينة برشلونة سوى 26 بحلول عام 1914. وهكذا، باستخدام قانون 1879، لجأوا إلى مصـــادرة الأراضي. في عام 1917، بدأت أعمال التطوير بمساعدة المهندس ماريا روبيو إي بيلفير قام بعمل المناظر الطبيعية جان كلود نيكولاس فوريستير، حيث كان تصــميمها متمـــيزاً على البحر الأبيض المتوسط، مع التأثيرات الكلاسيكية، التي تجمع بين الحدائق والعريشة والمدرجات، وبالمثل تم بناء القطار الجبلي المائل للسماح بالوصول إلى قمة الجبل، فضلاً عن الترام الجوي «تلفريك» الذي يربط الجبل بميناء برشلونة.

ومع ذلك، لم يفــتح الترام الجوي حتى عام 1931، بعد الانتهاء من الإكسبو. ومن بين أهداف إكسبو برشلونة تعزيز الصناعة الكهربائية، بحيث تم تغيير اسم الحدث في عام 1925 إلى إكسبو برشلونة الدولي، تم تكريسه لثلاثة جوانب: الصناعة والرياضة والفن.

قصر إسبانيا

أقيم إكسبو برشلونة الدولي لعام 1929 في الفترة من 20 مايو 1929 إلى 15 يناير 1930 وشهد مشاركة 20 دولة أوروبية، بما في ذلك فرنسا وبريطانيا وألمــانيا وإيطـــاليا، وكذلك بعض المنظمات الخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وقامت الدول المشاركة بوضع تصميمات لأجنحتها الخاصة، ووضع مهندسون من هذه الدول التصميمات بما يعكس ثقافاتها وقدراتها.

التكنولوجيا والفن في قلب التقدّم

تم تصميم إكسبو برشلونة الدولي كمنصة عالمية لعرض التقدم التكنولوجي للمدينة، لا سيّما في مجالات الهندسة المعمارية وعلاقتها بالفن.

وكان هناك رسمياً ثلاثة أقسام للمعرض: «الصناعة» و«الرياضة» و«الفن». نظراً للعدد الكبير من الإنشاءات الجديدة المطلوبة للإكسبو، كان المشروع فرصة للعديد من المهندسين والمهندسين المعماريين لخوض تصميم أساليب وتقنيات جديدة. من حيث الهندسة المعمارية، تم توحيد الحركة المعروفة باسم حركة «نوسنتيزم» الكتالونية المناهضة للحداثة التي ظهرت في القرن العشرين كبديل ناشئ عن الحداثة الكاتالونية الشهيرة التي انتصر لها مشاهير المهندسين المعماريين الشهيرين أمثال أنتوني غاودي ولويس دومينيك إي مونتانير.

أهم معالم إكسبو برشلونة

أدى انعقاد إكسبو برشلونة إلى التركيز على أهمية معالم المدينة مثل متحف بوبل إسبانيول معماري الذي يعرض مختلف الأشكال المعمارية في جميع أنحاء إسبانيا، والمتحف الوطني للفن الكاتالوني، النافورة السحرية التي تقدم عروض الضوء والموسيقى لتسلية الزوار الصغار والكبار، والتلفريك، كجزء من مشروع تحسينات البنية الأساسية المخططة للإكسبو، ولم يتم الانتهاء إنشائه إلا في عام 1931، والمسرح اليوناني الذي تم بناؤه في الهواء الطلق على طراز المسارح اليونانية القديمة ولا يزال يستخدم كقاعة للحفلات الموسيقية إلى يومنا هذا، وملعب مونوجك، الذي تم تصميمه في الوقت المناسب للإكسبو في عام 1929، وكان أيضاً جزءاً من عرض المدينة للألعاب الأولمبية 1936 التي تم منحها في نهاية المطاف إلى برلين.

إعادة تشكيل المشهد الحضري

يعد إكسبو برشلونة الدولي لعام 1929 أحد أهم الأحداث العالمية المهمة التي شكّلت المشهد الحضري لمدينة برشلونة، والتي ربما كانت موازية فقط لتأثيرها في القرن العشرين من خلال الألعاب الأولمبية لعام 1992.

ولم يكن إكسبو 1929 هو الأول الذي يقام في برشلونة، فقد سبقه إكسبو برشلونة العالمي لعام 1888 وتم اقتراح الإكسبو الثاني من قبل المهندس المعماري الكاتالوني جوزيب بويج آي كادافالتش في وقت مبكر من 1905 ولكن اشتعال الحرب العالمية الأولى وغيرها من العوامل السياسية والاقتصادية أخرّت المشروع؛ ولم يبدأ البناء فيه إلا عام 1917.

التصاميم المعمارية

وأثر إكسبو برشلونه على تصاميم المباني المعمارية الذي ساد إسبانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر وكان لمعظم المباني الرسمية موضوع مشترك هو النصب التذكاري والعظمة في المقابل، كان للمباني في القسم الدولي، الذي يضم أجنحة تمثل البلدان والمؤسسات الأخرى إلا أن نجاحه كان نسبيًا؛ بسبب الأزمة العالمية.

هناك نوعان من المباني: القصور، والأقسام المخصصة للبلدان والمؤسسات والشركات. بدأ المحور الرئيسي في ساحة إسبانيا، حيث تم بناء أربعة فنادق كبيرة، عبر شارع الأمريكتين، المعروف الآن باسم لارين ماريا كريستينا الذي كان يضم المباني الكبرى، عند سفح الجبل وموقع «النافورة السحرية» وقصور ألفونسو الثالث عشر وفيكتوريا يوجينيا، وتم تزيين شارع الأمريكتين بالعديد من النافورات، فضلاً عن الأعمدة الزجاجية - المضاءة بالكهرباء - والتي صممها تشارلز بوجاس، وعلى جانبي الطريق كانت المباني الرئيسية للمعرض: قصر الأزياء؛ قصر الاتصالات والنقل؛ وقصر المعادن والكهرباء والحركة. واليوم، يتم استخدام هذه المباني كمساحات للمعارض في معرض برشلونة التجاري.

اقرأ أيضاً:

إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

طباعة Email
تعليقات

تعليقات