100.000 اختراع في 169عاماً

إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

يعتبر أول معرض إكسبو تم تنظيمه في عام 1851، والذي أطلق عليه «إكسبو العظيم» بداية لمسيرة طويلة من عرض الابتكارات والاختراعات في مجال التكنولوجيا والتصنيع في العالم، وبات بمثابة مختبر إبداعي يمزج العمارة مع البيئة لخدمة البشرية، إذ تم عرض نحو أكثر من 100 ألف اختراع وابتكار على مدار تاريخه الطويل، بما في ذلك أحدث المطابع والعربات والأحجار الكريمة النادرة وغيرها، بل إن قصر إكسبو في حد ذاته أذهل العالم بمعماره الشهير المكوّن من الزجاج والحديد، وشكل تحفة هندسية غير مسبوقة طافت شهرته العالم بأسره، وكان رائداً في عملية الاستغناء عن الإضاءة الاصطناعية المكلفة واستهلاك الكهرباء.

وعاد هذا الاختراع إلى الطاقة الشمسية، التي أثرت بدورها على البناء والمعمار من خلال استخدام الإضاءة الطبيعية المريحة للبصر والنفس، واستفادت منه المباني الحديثة، وطورت تصميم الفتحات في الأبنية إلى الاتساع في بداية القرن العشرين، كما ظهر في عمارات غروبياس وميز ولوكوربوزييه وغيرهم، حيث أزال جميع العوائق من تأثير الإضاءة الطبيعية في الواجهات، ففي تصميمه لمصانع فاجوس في حي الفيلد بالقرب من هانوفر عام 1911، جعل الشبابيك الزجاجية تحتل زوايا المبني بدون عائق.

وفي مبني المكاتب الذي بناه في كولونيا عام 1914 ظهر كما لو كان الحائط والشبابيك شيئاً واحداً حتى السلالم داخل الأبراج الزجاجية تركت معرضة بإنشاءاتها لإضاءة أشعة الشمس المباشرة.

رسم القصر البلوري ملامح عصر جديد في ميدان العمارة والبناء، المكوّن من الحديد الصلب والألواح الزجاجية، واستطاع جوزيف باكسون المهندس البارع الذي صممه أن يكيّف الظروف الجوية مع مادة الزجاج التي تسخن عن طريق الحرارة وأشعة الشمس.

وكان هذا التصميم قد تم اختياره من بين 245 تصميماً، من ضمنها تصاميم عالمية تعود إلى 38 مهندساً من أستراليا وهولندا وبلجيكا وهانوفر وسويسرا وهامبورغ وفرنسا، لكن جوزيف باكسون كان الفائز بالتصميم لأسباب عديدة كان أبرزها التكلفة القليلة واستخدام الضوء الطبيعي.

وكان حجم هذا القصر ومقاساته تحاكي عام التأسيس، حيث بلغ طولها 1851 قدماً أي نحو 564 متراً، وبعرض قدره 454 قدم أي 138 متراً. وكان الصرح البلوري بحد ذاته نجاحاً كبيراً في تحقيق أعجوبة معمارية فريدة من نوعها.

ووراء هذا الحدث الكبير، حققت بريطانيا إنجازات كبيرة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية منذ الثورة الصناعية الأولى التي أدت إلى التطور والإنتاج الهائل، ما جعلها تشهد ذروة الإنتاج في تاريخها، بل وأصبحت بفضل هذه الصناعة أقوى دولة اقتصادياً في العالم.

وأثر إكسبو على تطوير العديد من جوانب المجتمع، بما في ذلك تعليم الفن والتصميم، والتجارة والعلاقات الدولية، والسياحة، ولا تزال آثارها تنعكس في الهندسة المعمارية بطرق وأشكال متعددة، وتطورت شخصية دورات إكسبو اللاحقة، وتركت بصماتها على تاريخ البشرية.

فرنسا

ثم جاء الفرنسيون ليدشنوا «إكسبو الكوني» في عام 1889، والذي حفل بالإنجازات المتقدمة في مجال الهندسة المعمارية والفنون الجميلة أيضاً، وأحدث تقنيات البناء مع برج إيفل، الذي تم بناؤه كونه مركز جذب لإكسبو بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الفرنسية، وأصبح البرج أيقونة إكسبو باعتباره أطول برج في العالم، وفي الوقت ذاته، تم تصميم هيكل غاليري، نفذه المهندس المعماري فرديناند دوتير والمهندس فيكتور كونتامين، وهو أقل شهرة، وامتدت قاعة الآلات إلى 111 متراً وكانت أطول مساحة داخلية آنذاك، باستخدام نظام من الأقواس المفصلية المصنوعة من الحديد، بدون دعامات داخلية، في اعتماده على الزجاج أيضاً.

وأصبحت هذه التجارب في ما بعد الوعاء الفكري الذي نهل منه المعماريون أساليبهم وابتكاراتهم المعمارية، أي أن إكسبو تحول إلى مختبر إبداعي من أجل خدمة البشرية وأجيالها.

بينما استطاع إكسبو شيكاغو أن يتحول إلى نقطة كبيرة في تحول اقتصاد العالم من الكساد الكبير إلى الانتعاش الحيوي منذ أول إكسبو في العالم، حيث استضافت الولايات المتحدة الأمريكية 14 دورة لإكسبو، وقد رسم التحولات الفريدة في اقتصاد العالم وأطلق شعار «قرن من التقدم» الإنجازات الرائعة التي حققها الأمريكيون، حيث عقد إكسبو بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المدينة.

وأثبت إكسبو شيكاغو قيادة أمريكا للتكنولوجيا والحداثة ونشرها في العالم، وأدى إلى اندماج أمريكا في تاريخ النظام الدولي.

نيويورك

فيما احتضن إكسبو نيويورك 1964 قصص الخيال العلمي، رافعاً شعار «السلام من خلال التفاهم»، حيث عُقد في متنزه «فلوشينغ ميدوز كورونا»، في الموقع نفسه الذي أقيم فيه إكسبو العالمي 1939- 1940. وانتشر إكسبو على مساحة 650 فداناً من الأجنحة المتنوعة، واستقطب أكثر من 50 مليون زائر.

وتحولت الأشكال المعمارية إلى عصر الفضاء في استخدام 16 عموداً خرسانياً مجوفاً في السقف المُحدّب، من خلال الكابلات الفولاذية، الممزوجة مع البلاستيك الملون، وهي ابتكارات معمارية جديدة لا مثيل لها آنذاك.

ويتمكن الزائر من النظر عبر أربع منصات إلى مستويات متعددة، ويمكن الوصول إليها من خلال سلالم متحركة طويلة، وكان الجناح المستقبلي مبالغاً فيه، لأن طريق قطار مونريل المنيرلوري كان يمر فيه.

ولسوء الحظ، احترق المبنى في مايو 1976 وأدى إلى تدمير أجزاء الأكريليك الشفافة التي تغلف المبنى. وفي عام 1990 تم شراء جميع هذه الممتلكات وتحويلها إلى متحف البيئة ولا يزال موجوداً حتى اليوم.

شنغهاي

ثم أقيم إكسبو شانغهاي على ضفاف نهر «هوانغبو» وكسر العديد من الأرقام القياسية في تاريخ الإكسبو، رافعاً شعار «مدينة أفضل - حياة أفضل»، معززاً مكانة شانغهاي باعتبارها «المدينة العالمية العظيمة في المستقبل». واستضاف أكبر عدد من المشاركين، واحتل أكبر موقع بحجم بلغ 5.28 كيلو مترات مربعة، وسجل عدداً قياسياً من الزوار بلغ 73 مليون زائر.

تغذية الكوكب

نظمت مدينة ميلانو إكسبو للمرة الثانية بعد استضافتها الأولى عام 1906، ورفع شعار «تغذية الكوكب، طاقة للحياة»، والربط بين التقنيات، الابتكار، والثقافة، والتقاليد والإبداع، إضافة إلى 7 عناوين فرعية أخرى هي: العلوم لطعام أكثر صحة وجودة وأمان، والابتكار في المعدات الزراعية، والتقنية من أجل الزراعة والتنوع البيولوجي، وعلم الغذاء الصحي، والتعاون والتضامن من أجل الغذاء، والغذاء لتحسين أسلوب حياتنا، وأخيراً الطعام في ثقافات وأعراق العالم المختلفة.

مونتريال.. تطبيقات معمارية

شكّل إكسبو مونتريال السمة الرئيسية للاحتفالات الكندية المئوية في ذلك العام تحت عنوان «الإنسان وعالمه»، من خلال التقدم الثقافي والتكنولوجي، وشجع على جذب المشاركين من أنحاء العالم.

وتم إنشاء جزيرة جديدة في وسط نهر سانت لورانس لتوفير مساحة إضافية، من أجل عرض تطبيقات الهندسة المعمارية وابتكاراتها. وقد تميز جناح آرثر إريكسون الهرمي، المكوّن من إطارات خشبية سداسية الشكل، ومن خلايا الصلب والأكريليك بنظام تظليل المعقد الذي يتحكّم في درجات الحرارة الداخلية.

أنتج إكسبو برشلونة 1929 سلسلة من الأساليب المعمارية المتنوعة في الهياكل البارزة، حتى امتلأت إسبانيا بهذه المباني التـــجريبية، واســـتوحيت هذه الهياكل المزخـــرفة تاريخياً من التراث. وأصبح هذا التجاور بين الــتاريخ والحداثة واحداً من العناصر الفريدة في إكسبو، وهو نوع من الخيال العلمي المشترك بين معارض إكـــسبو العالم الأخرى.

وتم تفكيك جناح برشلونة الأصلي في عام 1930 بعد وقت قصـــير من انتهاء إكسبو، إلا أنه أعيد بناؤه بعد أكثر من 50 عاماً من قبل نخبة من المهندسين المعماريين الكاتالونيين في الموقع ذاته، من خلال استخدام الصور والرسومات المتبقية.

ثم ركز إكسبو سيتايل في عام 1962 على مواضيع الفضاء والعلوم والتكنولوجيا والمستقبل. وقد تأثر بالسباق الفضائي المستمر، ما حقق أرباحاً كبيرة، ويعود ذلك إلى أن إكسبو قام بتنشيط اقتصاد المدينة ونموها الثقافي، من خلال تحسين البنية التحتية في المدينة من خلال استخدام أحدث تكنولوجيا الإكسبو.

اليابان.. ازدهار التنمية الاقتصادية

كانت اليابان دولة مهزومة في الحرب العالمية الثانية حين بدأت في التركيز على التنمية الاقتصادية والانتعاش الوطني عند نهاية الحرب. وفي يونيو 1964، قررت الحكومة اليابانية تقديم عرض لاستضافة إكسبو أوساكا عام 1970، ومنحت الحق لاستضافة الحدث في سبتمبر 1965، واجتذب الحدث 76 دولة و4 منظمات دولية و64 مليون زائر.

وحضر هذا الحدث أكبر عدد من الزوار في تاريخ إكسبو آنذاك مما أدى إلى تحسين كبير في تطوير وسائل النقل، والمجمعات السكنية الراقية، ومرافق الأعمال التجارية، ومرافق السياحة والتبادل الثقافي في أوساكا، وبالتالي لعب دوراً مهماً في التنمية وتوزيع الاقتصاد الوطني الياباني.

ورفع إكسبو اليابان شعار «التقدم والتناغم للبشرية»، وتبنى التكنولوجيا الحديثة من أجل خلق مستويات أعلى من المعيشة في وقت شهد البلد تطوراً سريعاً في الستينيات من القرن الماضي.

وبهذا الحدث، عادت اليابان إلى الظهور كقوة اقتصادية ناشئة باعتباره أول إكسبو يقام في آسيا. ولعل أهم النتائج التي حققها إكسبو هو تغيير «عقلية الهزيمة» عند الشعب الياباني، وأعاد اندماج البلاد في المجتمع الدولي.

وعمل إكسبو اليابان على تعريف البلد بالعالم الخارجي ورفع نسبة المسافرين إلى الخارج، محققاً مفهوم «العولمة»، وتطوير الفنادق والطرق وغيرها من البنى التحتية الجديدة، وخاصة في مجال إدخال التكنولوجيا الإلكترونية وشبكة الاتصالات الهاتفية.

وهناك أيضاً «إكسبو ميلانو» والذي أطلق فرصة إطلاق تصاميم الأجنحة المختلفة، مما جعل أرض إكسبو تتحول إلى مدينة صغيرة مليئة بالتحف المعمارية.

ومن الأجنحة المتميزة: الجناح السويسري الذي ركز على حماية البيئة، والجناح النمساوي الذي ركز على زراعة الأشجار، وأطلق عليه جناح «تنفس»، لأنه استطاع أن يوفر إنتاج نسبة أكسجين كافية لـ 18 ألف فرد في الساعة، والجناح البريطاني الذي قدم «تجربة حسية غامرة».

 

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات