انتهت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية دون تسجيل أي أغلبية ما خلق حالة من الانسداد السياسي والغموض مع ضبابية أي مخرج، حيث باتت أمام مشهد ممتد تستخدم فيه التطورات الميدانية والضغوط الإقليمية والتحالفات الدولية لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، ما يجعل أسئلة «ما بعد الصندوق» أكثر حساسية في وقت تتضارب فيه التحليلات بشأن قدرة مجموعة النواب العرب على التأثير الفعلي في معادلات القوة داخل الكنيست ورسم ملامح السياسات الإسرائيلية، ما يؤكد أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ليست نهاية القصة بل افتتاحيتها.
الفكرة المحورية هي أن صندوق الاقتراع في تل أبيب لا ينتج رابحاً مطلقاً، بل يوزع أوراق اللعب فقط، حيث إن المشهد الإسرائيلي بعد الانتخابات لا يقدم حتى الآن إجابة نهائية عن هوية الحكومة المقبلة بقدر ما يكشف عن عمق الانقسام وصعوبة إنتاج أغلبية مستقرة.
مأزق
لا تعكس هذه النتائج مجرد فشل انتخابي لمعسكر أو نجاح نسبي لآخر، بل تكشف عن مأزق سياسي بنيوي؛ إذ يبدو المجتمع الإسرائيلي منقسماً إلى معسكرات متقاربة في الوزن الانتخابي، لكنها متباعدة في قدرتها على التوافق حول مشروع حكم مشترك. فالمشكلة لا تكمن فقط في غياب الأغلبية العددية، بل في صعوبة تحويل المقاعد البرلمانية إلى تحالف سياسي قادر على إنتاج برنامج واضح للحكم.وتزداد هذه المعضلة تعقيداً بفعل رفض قطاعات واسعة من الأحزاب اليهودية المعارضة الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة، رغم الوزن البرلماني الذي باتت تتمتع به الأخيرة. وهكذا تتحول الأرقام الانتخابية إلى معادلة مغلقة لا يستطيع أي معسكر الحكم منفرداً، ولا يبدو مستعداً لتقديم التنازلات السياسية اللازمة لتشكيل ائتلاف بديل.
الكتلة العربية
أنظار الإسرائيليين تتجه إلى الجمهور العربي في إسرائيل، فبعد أن تجاوز حزب القائمة الموحدة، بزعامة منصور عباس، نسبة الحسم في الانتخابات، أصبح مواطنو إسرائيل العرب في مفترق طرق، وبإمكانهم حسم المعركة واختيار شخصية رئيس الوزراء، بل والمصير السياسي للدولة، حيث أحدثت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست صدمة سياسية في إسرائيل، إذ حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً وقطعت طريق الأغلبية (61 مقعداً) أمام معسكر بنيامين نتنياهو (53 مقعداً) والمعارضة (48 مقعداً).
قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية إن أنصار نتانياهو شعروا بالارتياح لأن النتائج الأولية أبقت فرصه في البقاء بالسلطة قائمة، بينما أصيب معارضوه بخيبة أمل بعد تعثر تحقيق انتصار حاسم.
وأوضحت الصحيفة أن هذا المشهد يضع المعارضة أمام خيارات صعبة، بينها التعاون مع الأحزاب العربية لتشكيل حكومة أقلية، أو الدخول في مفاوضات مع أطراف أخرى، وسط انقسامات داخلية ومواقف متشددة من التحالف مع ممثلي المواطنين العرب.
وتتضارب فيه التحليلات بشأن قدرة مجموعة النواب العرب على التأثير الفعلي في معادلات القوة داخل الكنيست ورسم ملامح السياسات الإسرائيلية، لتنحصر التقييمات في النهاية عند حدود تسجيل اختراق ديموغرافي وسياسي متمثل في حصد القائمة العربية لعدد غير مسبوق من المقاعد البرلمانية.
تشتت
على الورق، تمتلك المعارضة نحو 67 مقعداً، لكن هذه الحصيلة تظل مشتتة بسبب خلافات أيديولوجية ووطنية وشخصية. فقد حصل غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لنتانياهو، على 21 مقعداً، في حين لا يتجاوز مجموع مقاعد أحزاب المعارضة اليهودية 48 مقعداً، وهو رقم بعيد كل البعد عن تحقيق الفوز، ويشير محللون إلى أن المشهد الحكومي الإسرائيلي قد يذهب إلى الاستعصاء بالتأليف لكلا الطرفين إلا إذا تبدّلت التحالفات، ووافق آيزنكوت والمعارضة على حكومة بغطاء عربي، أو حكومة وحدة مع تناوب نتانياهو وآيزنكوت على رئاستها.ومن هنا، فإن غياب الأفق يبدو أخطر من مجرد غياب الأغلبية الحكومية. فالأغلبية يمكن أن تتشكل عبر اتفاقات ومناورات سياسية، أما الأفق الاستراتيجي فيحتاج إلى تصور واضح للمستقبل.
