هندسة البوب: كيف شيّد مايكل جاكسون مفهوم الألبوم الحديث.. ثم فكك أركانه (2-3)

عقب الانفجار المدوي وغير المسبوق لنجاح ألبوم «Thriller»، وجد جاكسون نفسه في مواجهة مهمة شبه مستحيلة: منافسة إرثه الفني الخاص. وخلال الفجوة الزمنية التي امتدت لخمس سنوات بين الألبومين، تعمقت عزلته عن العالم.

وباتت صورته العامة مادة خصبة للإثارة الصحفية، في حين أحكم قبضته الإبداعية على أعماله بشكل أكبر. ​وعلى الرغم من أن «كوينسي جونز» شارك في إنتاج ألبوم «Bad»، إلا أن جاكسون تولى كتابة وتلحين 9 أغنيات من أصل 11 يضمها الألبوم بمفرده.

وقد شهد هذا التطور من «Thriller» إلى «Bad» ابتعاد جاكسون عن الجمل الموسيقية التقليدية الدافئة لـ «البوب»، لينتقل نحو هوية بصرية وصوتية أكثر قسوة وحِدّة؛ هوية تعتمد بكثافة على أجهزة «السينثسيزر» والمؤثرات الرقمية ذات الطابع الصناعي، متبنياً جماليات «ثقافة الشارع» الصاخبة والهجومية.

رسخ ألبوم «Bad» الهوية البصرية لجاكسون؛ السترات الجلدية السوداء، والأحزمة ذات الإبزيم الثقيل، وقبعات «الفيدورا»، والرباط الأبيض حول الذراع.

وباتت اللوحات الاستعراضية الجماعية المعقدة والمتزامنة بدقة، كما في أغنيتي «Bad» و«Smooth Criminal»، بمثابة القالب التأسيسي والمرجع الأول للعروض المسرحية لـ «البوب» الحديث.

شكلت جولة «Bad World Tour» أولى الجولات الغنائية المنفردة لجاكسون، والتي أعاد من خلالها صياغة مفهوم الترفيه في الملاعب الرياضية بالكامل؛ وذلك عبر إدخال أحدث تقنيات الإضاءة، والمؤثرات البصرية والنارية وأنظمة الصوت، والديكورات المسرحية، واضعاً بذلك المخطط التنفيذي للمهرجانات الاستعراضية الضخمة في عالم البوب المعاصر.

أصبح «Bad» أول ألبوم في التاريخ تتربع خمس من أغنياته المنفردة بشكل متتالٍ على صدارة قائمة «بيلبورد هوت 100»، ليثبت بذلك أن الهيمنة الكاسحة التي حققها ألبوم «Thriller»على القوائم الموسيقية لم تكن مجرد طفرة عابرة أو ضربة حظ لا تتكرر، بل هي استراتيجية صناعية قابلة لإعادة الإنتاج والتطبيق.

​أما التغيير الأبرز والأكثر صدمة على الإطلاق والذي كان الدافع وراء ألبوم دينجراس Dangerous، فيمكن تلخيصه في ثلاث كلمات: غياب كوينسي جونز.

​فبعد ثلاثة أعمال تاريخية خالدة ومتتالية، اتخذ جاكسون قراراً إدارياً حاسماً بالانفصال عن منتجه الأسطوري؛ إذ كان يحدوه الطموح ليثبت للنقاد أن عبقريته نابعة من ذاته ولا تعتمد على أحد.

كما كان يشعر أن التوزيع الأوركسترالي الكلاسيكي الذي تميز به كوينسي بدأ يصبح تقليدياً ومحافظاً للغاية، ولا يواكب الأصوات الهجومية وإيقاعات الشارع التي بدأت تهيمن على موجات الراديو آنذاك.

ولقنص تلك الإيقاعات المتطورة والمواكبة للعصر، استعان جاكسون بالمنتج «تيدي رايلي»، المهندس الأول والمبتكر بلا منازع لموسيقى «نيو جاك سوينغ» وهو نوع موسيقي يدمج بين أنماط طبول الهيب هوب الحادة والانسيابية، وألحان الـ R&B الناعمة.

وبذلك، نجح جاكسون في ابتكار صيغة مكنته من انتشال هذه الحركة الفنية الحضرية من أوساطها السرية والهامشية ليرتقي بها إلى مصاف العالمية وعلى نطاق بوب واسع.

عبر تبنيه لأسلوب تيدي رايلي الإنتاجي، أرغم جاكسون محطات الإذاعة العالمية على تبني الإيقاعات المتداخلة والمتناغمة لثقافة الهيب هوب. وقد أثبتت هذه الخطوة أن الموسيقى الحضرية النابعة من ثقافة الشارع قادرة على بيع أكثر من 32 مليون نسخة حول العالم، والهيمنة على القوائم الموسيقية من طوكيو إلى لندن.

إذا كان ألبوم Thriller قد اخترع مفهوم الفيديو كليب، فإن Dangerous قد حوّل لحظة العرض الأول لأعماله المصورة إلى حدث استثنائي يفرض سيطرته على الشاشات العالمية كافة.

إذ عُرض كليب Black or White في وقت متزامن في 27 دولة أمام جمهور قُدّر بنحو 500 مليون مشاهد في حدث ثقافي غير مسبوق في تاريخ الإعلام.

قبل عام 1993 كان عرض الاستراحة في مباراة نهائي دوري كرة القدم الأمريكية السوبر بول فقرة رتيبة وباهتة تقتصر على استعراضات الفرق الموسيقية النحاسية للجامعات.

غير أن أداء جاكسون الأسطوري عام 1993 بالتزامن مع حقبة ألبوم Dangerous قد غيّر تاريخ التلفزيون إلى الأبد؛ إذ وقف النجم شاخصاً دون حراك لمدة دقيقتين كاملتين وسط صرخات الجماهير المدوية، قبل أن ينطلق في تقديم لوحات استعراضية فائقة الحيوية والطاقة حصدت نسب مشاهدة تلفزيونية تجاوزت نسب مشاهدة المباراة نفسها. وبمفرده، حوّل جاكسون السوبر بول إلى الحدث الترفيهي الأبرز والأضخم كما نعرفه اليوم.

هندسة البوب: كيف شيّد مايكل جاكسون مفهوم الألبوم الحديث... ثم فكك أركانه؟ (1-3)