عبدالرحمن محمود: تشجيع شرائح المجتمع على خوض تجربة التحول الرقمي
كريس إيراسموس: الإمارات تعمل على تسريع تبني التقنيات المتقدمة وتوسيع نطاق استخدامها
كشفت دراسة مشتركة لمكتب الذكاء الاصطناعي في حكومة دولة الإمارات و«أمازون ويب سيرفيسز»، عن تسارع تبنّي الشركات في الدولة للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، إذ ارتفعت نسبة الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي إلى 72 % في 2026، مقابل 53 % قبل عام، بنمو سنوي بلغ 36 %.
وأوضح تقرير «إطلاق إمكانات الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات 2026»، الذي أعدته شركة الأبحاث العالمية «ستراند بارتنرز»، أن هذا التوسع يعكس تنامي دور الذكاء الاصطناعي في دعم الابتكار والتحول الرقمي داخل قطاع الأعمال في الإمارات، عبر تأسيس نموذج سيادي فريد يربط الذكاء الاصطناعي بالطموح الحكومي.
وتواصل الحوسبة السحابية دعم هذا التحول، عبر إتاحة بنية تحتية وأدوات وحلول تمكّن الشركات من توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
وفي هذا الإطار، تستثمر «أمازون ويب سيرفيسز»، ما يصل إلى 20.1 مليار درهم، ما يعادل 5.47 مليارات دولار، حتى عام 2037، في منطقة «AWS الشرق الأوسط – الإمارات»، مع توقعات بأن تسهم هذه الاستثمارات بنحو 41 مليار درهم، أي 11.16 مليار دولار، في الناتج المحلي الإجمالي للدولة.
وأشار التقرير إلى استفادة عدد من الشركات العاملة في الدولة، من بينها «بروبرتي فايندر» و«فيرجن موبايل الإمارات» و«ذي إنترتينر» و«كريم»، من الحوسبة السحابية وحلول الذكاء الاصطناعي التوليدي، لتحسين الأداء وتجارب العملاء.
وحدد التقرير 4 أولويات للمرحلة المقبلة، تشمل تسريع التبنّي المسؤول للذكاء الاصطناعي، وضمان أن تدعم السياسات والتشريعات الابتكار، ومعالجة نقص المهارات، وتوسيع فرص التمويل للشركات، خصوصاً الناشئة والصغيرة والمتوسطة.
وتشير الدراسة إلى أن الإمارات تمتلك البنية التحتية والمواهب والرؤية الوطنية التي تؤهلها لقيادة الموجة المقبلة من التحول القائم على الذكاء الاصطناعي.
مكتب الذكاء الاصطناعي
ومنذ تأسيسه عام 2017، نجح مكتب الذكاء الاصطناعي في حكومة دولة الإمارات في الانتقال من مرحلة التنبؤ بالتحولات التقنية إلى بناء نموذج حكومي متكامل يجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أصيلاً من مسيرة التنمية الشاملة. وبينما كانت النقاشات العالمية آنذاك تتركز حول السيارات ذاتية القيادة والرؤية الحاسوبية، اختارت الإمارات الاستثمار مبكراً في الكفاءات الوطنية باعتبارها المحرك الأساسي لاقتصاد المستقبل.
وفي مقابلة مع «البيان»، أكد الدكتور عبدالرحمن محمود، مدير الإدارة في مكتب الذكاء الاصطناعي، أن الإمارات تمضي بثبات نحو تعزيز مكانتها كواحدة من أبرز الدول الرائدة عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية بالتعاون مع الرؤساء التنفيذيين للذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية المختلفة، بما يضمن تحقيق المستهدفات الوطنية بكفاءة.
وأشار إلى أن من أبرز المحطات التي جسدت النهج الإماراتي الاستباقي كان التعامل مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها «تشات جي بي تي»، حيث تبنت الدولة مقاربة قائمة على الاستفادة من التكنولوجيا وتسخيرها لتحقيق المنفعة العامة، بدلاً من التركيز على المخاطر وحدها، وهو ما أسهم في المحافظة على موقع الإمارات ضمن قائمة أفضل خمس دول عالمياً في الذكاء الاصطناعي.
وأوضح الدكتور عبدالرحمن أن نجاح الدولة لا يقتصر على توفير المواهب، بل يمتد إلى تمكينها وتأهيلها للقيادة، مشيراً إلى مبادرات بارزة مثل منصة «تم» التي توظف الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمات حكومية متكاملة وسلسة.
كما لفت إلى إطلاق برامج تدريبية متخصصة لتأهيل القيادات والكوادر الحكومية في قطاعات استراتيجية مثل التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب تعيين عدد من الخريجين في مناصب الرؤساء التنفيذيين للذكاء الاصطناعي داخل الجهات الحكومية، بما يعزز ثقافة الابتكار ويسرّع التحول الرقمي. وأكد أن هذا النموذج الحكومي أصبح محفزاً للقطاع الخاص في مجالات الخدمات المالية والإعلام والترفيه لتبني حلول الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من مبدأ «القيادة بالقدوة» .
برنامج واسع
وحول التحديات المرتبطة بنقص المهارات، أوضح أن الدولة تنفذ برنامجاً واسع النطاق لتطوير القدرات الرقمية يشمل نحو 80 ألف موظف حكومي، بالتوازي مع مبادرات مجتمعية مثل «يوم الإمارات للبرمجة» المزمع تنظيمه الشهر الجاري، بهدف تعزيز ثقافة الابتكار وتشجيع شرائح المجتمع على خوض تجربة التحول الرقمي.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستتركز على تعظيم القيمة الاقتصادية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي، بحيث لا يقتصر النجاح على استخدام التقنيات المتقدمة، بل يمتد إلى تحقيق وفورات اقتصادية ملموسة وتحسين جودة الحياة والخدمات.
وفي ما يتعلق بالحوكمة والأخلاقيات، أكد الدكتور عبدالرحمن أن الإمارات سارعت إلى وضع إطار أخلاقي لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي منذ المراحل الأولى، إلى جانب اعتماد «ميثاق الذكاء الاصطناعي» من قبل مجلس الوزراء، بما يضمن توظيف هذه التقنيات بصورة مسؤولة وآمنة تخدم المجتمع وتعزز الثقة الرقمية.
وفي لقاء خاص مع «البيان»، أكد كريس إيراسموس، المدير العام لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في الإمارات والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن دولة الإمارات أصبحت نموذجاً عالمياً في التحول الرقمي، بفضل قيادة استباقية لا تنتظر الظروف المثالية، بل تعمل على تسريع تبني التقنيات المتقدمة وتوسيع نطاق استخدامها بصورة مسؤولة وفعالة. وقال، إن الدولة تجاوزت مرحلة التساؤل حول إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، وانتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً تركز على كيفية توسيع نطاق الاستخدام.
وأكد إيراسموس أن أحد أبرز عوامل النجاح في الإمارات يتمثل في الربط بين الطموح والجداول الزمنية المحددة، مستشهداً بالهدف الحكومي الرامي إلى إنجاز 50 % من العمل الحكومي عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي بحلول 2028.
وأضاف أن هذا النهج يخلق زخماً عملياً يسرّع بناء المهارات وتطوير المواهب وتسريع تبني الحلول الرقمية داخل المؤسسات الحكومية والخاصة. وبحسب تقرير «إطلاق إمكانات الذكاء الاصطناعي في الإمارات 2026»، أفاد 85 % من مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي بأن هذه التقنيات أسهمت في تسريع جهود التحول الرقمي داخل مؤسساتهم.
كما أشار إيراسموس إلى استثمار استراتيجي بقيمة مليار دولار بالشراكة مع «e&» لتوفير قدرات السحابة السيادية، بالإضافة إلى إطلاق برنامج «أمة الذكاء الاصطناعي – آفاق» الذي يستهدف تدريب 30 ألف شخص مجاناً في الإمارات مع مواصلة التعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ودعم مبادرة «قدوة تك» المخصصة لتمكين الكفاءات النسائية الإماراتية.
وكشف إيراسموس أن 88 % من الشركات الناشئة التي تعتمد الذكاء الاصطناعي كمحور رئيسي لنموذج أعمالها نجحت في إحداث تحولات جوهرية، مقارنة بـ51 % فقط من المؤسسات الكبرى.
وأضاف أن 57 % من القيادات التنفيذية يخططون لإدراج الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء ضمن استراتيجياتهم التشغيلية، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي نجحت فعلياً في تطبيقه 9 % فقط، ما يعكس وجود فجوة واضحة بين الطموح والتنفيذ.
وأوضح أن 46 % من المؤسسات تعتبر نقص المهارات أحد أكبر التحديات أمام التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن توظيف المتخصصين في هذا المجال قد يستغرق قرابة ستة أشهر، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وزيادة المنافسة على الكفاءات.
وشدد إيراسموس على أن الأمن السيبراني يمثل «المهمة رقم صفر» بالنسبة لـ«أمازون ويب سيرفيسز»، مؤكداً التزام الشركة بتوفير بنية تحتية مرنة وآمنة تتيح للعملاء الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية مع الحفاظ على أعلى مستويات الحماية والامتثال.

