في عالمٍ لا تكاد تمر فيه أسابيع من دون أن تترك كارثة طبيعية بصمتها، من زلازل مدمرة إلى تسونامي وفيضانات وانهيارات، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الكوارث الزلزالية رعبا في التاريخ.. كارثة بدأت بهدوء دام قرونا، ثم انفجرت في لحظات بقوة هزّت الأرض والمحيط معا.
385 عاما من الصمت انتهت بكارثة.. ففي 22 مايو 1960، انشقّ باطن الأرض في جنوب تشيلي، لتسجل البشرية أعنف زلزال عرفته في تاريخ القياس الحديث، بقوة بلغت 9.5 درجات، لكن الرعب لم يتوقف عند حدود تشيلي، إذ تحولت الهزة العملاقة إلى تسونامي عابر للمحيط الهادئ، قطعت أمواجه آلاف الكيلومترات ووصلت إلى هاواي واليابان ومناطق أخرى، حاملة الموت والدمار معها.
لم يكن الأمر مجرد زلزال هائل، بل سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي أعادت رسم أجزاء من الساحل، وشرّدت نحو مليوني شخص، وأودت بحياة آلاف الضحايا، فيما ظلت آثارها تمتد عبر المحيط حتى بعد ساعات طويلة من توقف الأرض عن الاهتزاز.
وضرب الزلزال جنوب تشيلي بقوة هائلة، قبل أن تتوالى تداعياته في صورة أمواج تسونامي ضخمة وصلت إلى مناطق بعيدة في المحيط الهادئ، وبحسب المعطيات المتوفرة عن تلك الكارثة، أسفر الزلزال والتسونامي عن مقتل نحو 5700 شخص في تشيلي، فيما أصبح قرابة مليوني شخص بلا مأوى، كما أودت أمواج التسونامي بحياة 61 شخصا في هاواي و130 شخصا في اليابان.
ورغم القوة الاستثنائية للزلزال، فإن عدد الضحايا كان يمكن أن يكون أكبر بكثير، إلا أن المناطق الأكثر تضررا كانت في أجزاء قليلة الكثافة السكانية، ما حدّ نسبيا من حجم الخسائر البشرية.
سلسلة هزات سبقت الكارثة
لم يأتِ زلزال فالديفيا بصورة مفاجئة تماما، فقد شهدت المنطقة في اليوم السابق واليوم التالي للزلزال الرئيسي سلسلة من الهزات، بينها أربع أو خمس هزات بلغت قوتها نحو 7 درجات، إضافة إلى توابع زلزالية استمرت بعد ذلك.
وتشير المعطيات إلى أن الكارثة ارتبطت بسلسلة من ثلاثة زلازل وقعت بين 21 و22 مايو، في منطقة كان الصدع فيها مقفلاً لنحو 385 عاما قبل أن ينفجر بصورة مفاجئة.
وأدى الانزلاق الهائل على طول الصدع إلى تحرك جانبي للأرض قُدّر بنحو 80 مترا، في واحدة من أعنف عمليات تمزق القشرة الأرضية التي تم توثيقها.
تسونامي يجتاز 10 آلاف كيلومتر
لم تتوقف آثار الزلزال عند السواحل التشيلية، فقد انطلقت أمواج تسونامي عبر المحيط الهادئ، واجتازت نحو 10 آلاف كيلومتر لتصل إلى هاواي بعد قرابة 15 ساعة.
وبعد نحو 22 ساعة إضافية، قطعت الأمواج آلاف الكيلومترات أخرى ووصلت إلى مناطق من بينها جزر الماركيز وساموا واليابان والفلبين ونيوزيلندا، حاملة معها آثار الكارثة إلى سواحل بعيدة عن مركز الزلزال.
وفي تشيلي، تعرضت مدن ساحلية لأضرار هائلة، ودُمرت منشآت وموانئ، فيما جرفت المياه البنية التحتية الساحلية، وقذفت القوارب إلى داخل المناطق الحضرية، ووصلت آثار الدمار إلى مدينة تالكاهوانو.
كما تغيرت معالم أجزاء من الساحل بصورة دائمة، وغرقت خمس مناطق إدارية تشيلية، ما أدى إلى فيضانات خلال ارتفاع المد.
ولم تقتصر آثار الزلزال على تشيلي، ففي ماتسوشيما باليابان، أدت القوة الهائلة للأمواج والاضطرابات المرتبطة بالكارثة إلى تمزيق كتل من اليابسة كانت متصلة سابقًا، وتحولت إلى جزر منفصلة.
لم يكن زلزال فالديفيا مجرد هزة أرضية هائلة، بل سلسلة متشابكة من الزلازل والانهيارات والتسونامي التي امتدت آثارها عبر المحيط الهادئ، ورسخت زلزال 1960 في تشيلي باعتباره أقوى زلزال تم تسجيله في تاريخ البشرية.

