رقمنة المتاحف تجذب الشباب إلى كنوز التاريخ

ت + ت - الحجم الطبيعي

المتاحف ذاكرة الشعوب، وحافظة تراثها الإنساني وكنوز الحضارات، بين جنباتها تتكشف جماليات الماضي، كما تُروى حكايات المستقبل، وفي الإمارات عود المتاحف قوي، حيث تشكل رافداً أساسياً في قوة الاقتصاد الإبداعي لدبي خصوصاً والإمارات عموماً، فعلى مدار السنوات الماضية، اهتمت الدولة بالمتاحف في أنواعها، حتى أضحت منصة جاذبة لاستقطاب الزوار من حول العالم، وتعزيز الحركة السياحية داخل الدولة، الأمر الذي انعكس على دعم تطوير قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات، بوصف المتاحف منتجاً ثقافياً وتراثياً مهماً، قادراً على جذب عيون كافة شرائح المجتمع لا سيما الشباب منهم.

وبطبيعة الحال، لم تغفل الدولة عن توثيق علاقة الشباب بماضيهم وتاريخهم وتراثهم، خاصة عبر المتاحف، إذ حرصت في الصدد على تعميق ركائز ذلك في جوانب وعلى صعد كثيرة، إلا أن جميع تلك الإجراءات يحتاج بما لا شك فيه، إلى تتويجه بمناهج تجعل المتاحف بيئة جاذبة، مثالية، للشباب.

«البيان» فتحت أبواب هذا الملف، لتسلط من خلاله الضوء على علاقة الشباب بالمتاحف، وقدرتها على التحول لتكون بيئة جاذبة لهم، وهي التي ظلت لسنوات طوال خارج اهتمامهم.

الآراء التي استطلعتها «البيان» بينت أن متاحف الإمارات حققت خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية، من حيث عملية تطويرها وتقوية بنيتها الرقمية وأساليب العرض بداخلها، وأشارت إلى أن هذه المتاحف استطاعت عبر ذلك من مواكبة اهتمامات الشباب والفئات الأصغر عمراً، مستشهدة بذلك بعديد المبادرات التي شهدها هذا القطاع لفتح أبوابه أمام الشباب.

دفعة قوية

اهتمام الدولة بالمتاحف وحفظ التراث، مكن دبي من المنافسة على استضافة مؤتمر «آيكوم 2025»، الذي يعد أكبر مؤتمر للمتاحف في العالم، متفوقة بذلك على مدينتي استوكهولم السويدية، وكازان الروسية، حيث مثل فوز دبي باستضافة المؤتمر دفعة قوية للقطاع الثقافي، وقطاع المتاحف في الدولة، بوصفها منصات ثقافية أثرت المشهد الثقافي والمعرفي والفني المحلي والعربي بما تمتلكه من مقتنيات وكنوز أثرية قديمة.

وفي حديثه، آثر رشاد بوخش، رئيس فرع الإمارات للمجلس الدولي للمتاحف «آيكوم الإمارات»، إجراء مقارنة بين مفهوم المتحف قديماً وحديثاً، ليبين بأن «تعريف المتحف وفكرته وأهدافه قد تبدلت ما بين الماضي والراهن»، مؤكداً بأن «المتاحف قديماً كانت عبارة عن خزائن عرض زجاجية وخشبية تقليدية، بينما المتاحف الحديثة تركت كل ذلك خلف ظهرها».

وقال: «في الواقع أن أساليب العرض التقليدية التي كانت سائدة في المتاحف قديماً، لم تكن قادرة على جذب الشباب ولفت انتباههم، وهو ما سعت المتاحف الحديثة إلى استبداله، من خلال استخدامها لطرق رقمية أكثر حداثة، وهو ما يمكن تلمسه في متاحفنا الوطنية التي باتت مليئة بالتقنيات»، موضحاً بأن العديد من المتاحف في الإمارات مثل متحف دبي ومتاحف الشندغة (متحف الخور ومتحف العطور) والاتحاد والمستقبل واللوفر أبوظبي وكذلك متاحف الشارقة، قد باتت تستند في أساليب العرض إلى تقنية «الحواس»، وقال: «التوجه ناحية استخدام هذه التقنية من خلال الأصوات والمشاهد البصرية والشم، قد أسهم في تغيير نظرة الشباب حيال المتاحف، كون هذه التقنية عملت على منحهم الفرصة لعيش الفترة الزمنية القديمة وتلمس المكان بتفاصيله الكاملة، الأمر الذي جعل من زيارة هذه المتاحف تجربة ثرية وغير مملة سواء للأطفال أو الشباب».

مثال متفرد

زيارة لمتحف المرأة في دبي، كفيلة بأن تفتح العيون على ملامح النساء، وبنات أرض الإمارات، حيث يعد هذا المتحف مثالاً متفرداً على نوعية المتاحف الموزعة بين جنبات الدولة، وفي حديثها مع «البيان» أضاءت الدكتورة رفيعة غباش، مؤسس ومدير متحف المرأة في دبي.

على تجربتها الخاصة في إقامة هذا المتحف، الذي قالت بأنه «جديد من نوعه، وجديد بفكرته وبطريقة عمله التي تختلف عن أي متحف آخر، ليس في الإمارات وحسب وإنما على مستوى الوطن العربي أيضاً، فالفكرة من وراء هذا المتحف كانت تتمثل في أن نبحث في تاريخ الإمارات عبر تاريخ النساء».

وتابعت: «البحث عن المعلومة والمعرفة فيه إبهار خاص وهو ما أشعر به كلما عثرت على معلومة جديدة، وبتقديري أن هذا الشعور ينسحب أيضاً على كل باحث، لأن المتعة المستقاة من المعرفة لا تعوض أبداً».

د. رفيعة أشارت إلى أن المتحف «نجح في استقطاب كافة الفئات المجتمعية». وقالت: «كانت الشريحة الشبابية التي زارت المتحف من غير العرب والمواطنين». وأضافت: «بتقديري أن الشباب لن تكون له رغبة ذاتية إلى أي مكان ثقافي أو تراثي أو تاريخي، إن لم يجد فيه دافعاً يشجعه على ارتياده، وهو ما يؤكد على أهمية رفد مثل هذه الأماكن بكل ما يمكن أن يجذب الشباب إليها»، واستشهدت د. رفيعة في حديثها بتحركات المدارس والزيارات الدورية التي تنفذها للمتاحف، ومن بينها متحف المرأة.

وقالت: «على مدار السنوات الماضية كانت زيارات المدارس الأجنبية هي الأكثر للمتحف، ومن خلال ملاحظاتي فقد وجدت الفرحة في عيونهم وهم يكتشفون بعضاً من الجوانب الثقافية التي تكتنزها جنبات متحف المرأة وغيرها من المتاحف، وفي بعض الأحيان تأتينا مجموعات من الطلبة من أجل تنفيذ أبحاث معينة، حيث تجدهم يبحثون في كل كلمة مكتوبة على جدران المتحف». ونوهت د. رفيعة غباش إلى أن «الموهوبين في الكتابة والرسم وغيرها هم الذين يرتادون المتاحف».

تطوير الأدوات

«المتاحف منصات تعليمية وثقافية وأدبية وسجل للتطور البشري وارتقائه بالفنون والعلوم»، تعبير لخصت فيه منال عطايا، مدير عام هيئة الشارقة للمتاحف، نظرتها للمتاحف، وما تمتلكه من إمكانية الجمع بين الترفيه والمعرفة ولغة العصر، لتكون صديقة للشباب، وتوضح بأن «تعزيز الحضور الجماهيري الواقعي والافتراضي للمتاحف، يقع في صلب أهداف واستراتيجيات هيئة الشارقة للمتاحف».

وتقول: «لتحقيق ذلك عملنا على تطوير أدواتنا لجذب كافة فئات المجتمع بمن فيهم الشباب والعائلات، كما سعينا لإطلاق جملة من المبادرات والبرامج النوعية لجذب اهتمامهم، فضلاً عن التحول في أساليب العرض بما يلبي احتياجاتهم ويواكب تطلعاتهم واهتماماتهم، بما فيهم الأطفال واليافعون الذين نخصهم بفعاليات تحفزهم على البحث والتساؤل وتسهم في توسيع مداركهم وزيادة رصيدهم المعرفي».

مبادرات عديدة أطلقتها هيئة الشارقة للمتاحف، لتحفيز الشباب والفئات الأصغر سناً على ارتياد المتاحف. وفي هذا السياق، قالت منال: «حرصت الهيئة على مواكبة التطورات المتسارعة حول العالم، عبر تطوير البنية التحتية الرقمية وتوظيف التقنيات الحديثة في الواقع المتحفي لتعزيز منظومة الخدمات التي توفرها متاحفنا»، وأضافت: للارتقاء بأساليب العرض والتقديم وتوسيع الحضور الرقمي واستمالة الشباب وكافة الفئات العمرية قمنا بإطلاق مبادرات متنوعة من خلال العالم الافتراضي.

119 دولة

أكد المهندس رشاد بوخش أن استخدام الأساليب الحديثة والرقمية في العرض، يسهم في إيصال المعلومة المطلوبة بسهولة إلى الزوار، مشيراً إلى أن مجموعة كبيرة من متاحف الدولة عملت على تعزيز هذه الأساليب في أروقتها، لافتاً في السياق ذاته إلى أن متاحف الدولة لاسيما الحديثة منها تمتلك بنية تحتية رقمية قوية.

وقال: «يمكن القول بأن متاحفنا قد وصلت إلى مراتب عالية على مستوى العالم، فمثلاً متحف المستقبل واللوفر أبوظبي، يصنفان حالياً ضمن قائمة أوائل المتاحف على مستوى العالم» وتجدر الإشارة هنا على صعيد إثبات متاحف الدولة لجدارتها في مواكبة التكنولوجيا والتميز عالمياً إلى أن دبي تستعد لاحتضان فعاليات مؤتمر «آيكوم 2025»، الذي يعقد للمرة الأولى في المنطقة، حيث يجمع المؤتمر المزمع عقده في 2025 بدبي أكثر من 4000 متخصص من 119 دولة.

77 متراً

يعد متحف المستقبل، معجزة هندسية فريدة من نوعها، وذلك من حيث الشكل والتصميم والمضمون، حيث يتمدد المتحف على مساحة 30 ألف متر مربع، ويبلغ ارتفاعه 77 متراً، ويتكون من 7 طوابق، ويتميز بعدم وجود أعمدة داخله، ما يجعل من تصميمه الهندسي علامة فارقة في مجال الهندسة العمرانية، وكانت ناشيونال جيوغرافيك، قد اختارت متحف المستقبل ضمن أجمل 14 متحفاً على مستوى العالم، ما يعكس ريادة الإمارات في الابتكار والإبداع وتصميم وصناعة إنجازات هندسية ومعمارية فريدة من نوعها.

3.8 ملايين زائر

تبين بيانات الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء أن متاحف الإمارات استقطبت في 2019 نحو 3.807 ملايين زائر، مسجلة ارتفاعاً مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث بلغ العدد 3.702 ملايين زائر، بنسبة زيادة قدرها 2.82%، وأكدت بيانات الهيئة أن دبي كانت الأكثر استقطاباً لزوار المتاحف بواقع 1.535 مليون زائر في 2019، مسجلة ارتفاعاً مهماً مقارنة بالعامين 2018 و2017، اللذين بلغ فيهما عدد الزوار على التوالي نحو 1.48 مليون زائر، و1.389 مليون زائر.

وجاءت أبوظبي في المركز الثاني بعدد 1.202 مليون زائر، في 2019، مقابل 1.236 مليون زائر في 2018، و532.09 في 2017، بينما تخطت الشارقة مليون زائر في 2019، وعجمان 30.76 ألف زائر، والفجيرة 15.78 ألف زائر، ورأس الخيمة 14.68 ألف زائر، وأم القيوين 4.39 آلاف زائر.

أرقام

178

«نحو 178 متحفاً تضمها الإمارات عموماً من بينها 55 متحفاً حكومياً والبقية خاصة»، إحصائية كفيلة بأن تكشف عن حجم قطاع المتاحف في الإمارات، في وقت لا يزال هذا الرقم مرشحاً للتصاعد مستقبلاً، مع توالي افتتاح متاحف جديدة حول الدولة، كما مجمع «ميوزيم هاب» الذي رأى النور أخيراً في سوق المرفأ بدبي، حيث يضم بين جنباته 50 معرضاً / متحفاً، تلقي الضوء على شكل حياة في الماضي بالإمارات بكل تفاصيلها، ويعرض عدداً ضخماً من التحف والقطع النادرة التي تقدر قيمتها بنحو 100 مليون درهم، وفق ما تم الكشف عنه أثناء افتتاح المجمع الذي يعد أحدث إضافة إلى قطاع المتاحف في الدولة.

2019

في إطار تعزيز علاقة الشباب مع المتاحف، بادرت هيئة الشارقة للمتاحف في 2019 إلى إطلاق مبادرة «متاحف على الطريق»، للمرة الأولى في المنطقة، وجرى من خلالها تحويل حافلة إلى متحف متنقل، لتشكّل نموذجاً مهماً للبرامج التي تستهدف الطلبة على اختلاف مراحلهم العمرية، وتسهم في تعزيز قدراتهم وتنمية الجانب الإبداعي التعبيري لديهم، وتحفزهم على التفكير بطرق ابتكارية.

واستطاعت هذه المبادرة في أول عام لها من الوصول إلى 4799 طالباً وطالبة في 14 مدرسة، وبهدف تحقيق الشمولية في متاحفنا واستقطاب أعداد أكبر من الأطفال واليافعين والشباب، حرصت هيئة الشارقة للمتاحف على تخصيص مبادرات وفعاليات وورش عمل تستهدف أصحاب الهمم، منها مبادرة «متاحف صديقة لذوي التوحد» الأولى من نوعها التي توفر بيئات تعليمية وأنشطة مصممة من قِبل متخصصين لتلبية احتياجات أطفال التوحد الذين تتراوح أعمارهم ما بين الـ7 والـ12 عاماً، وهناك أيضاً مبادرة «لأننا نهتم» المجتمعية متعددة المساعي التي تضمنت أهدافها المتعددة تدريب موظفي هيئة الشارقة للمتاحف على لغة الإشارة، وتصميم جولات إرشادية بلغة الإشارة قادها أيضاً مرشدون من ذوي الإعاقة السمعية تم تدريبهم ضمن البرنامج التدريبي «المرشد المتميز بلغة الإشارة»، فضلاً عن المبادرات التي تسهم في نشر الوعي بين الشباب حول أهمية نظافة البيئة البحرية والخطر الذي يهددها من رمي المخلفات بهدف تعزيز مشاركتهم وتفعيل أدوارهم.

521000

لا شك أن اتساع الاهتمام بقطاع المتاحف في دبي أسهم في رفع حركة الزيارات عليها، وبحسب إحصاءات هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» التي أعلنت عنها في يناير 2022، استقطبت المتاحف والمواقع التراثية والتاريخية والمكتبات العامة التابعة للهيئة أكثر من 521 ألف زائر خلال 2021، تصدّرتها المواقع التراثية بنسبة 50% من إجمالي الزوار، تلتها المكتبات بنسبة 39%، بينما حققت المتاحف نسبة 11%، الأمر الذي يكشف عن مدى الزخم الذي يكتسبه هذا القطاع، بوصف هذه المواقع وجهات سياحية وثقافية يمكن لها أن تثري المخزون المعرفي لأفراد الجمهور، في حين كانت متاحف الدولة عموماً قد استقطبت أكثر من 3.5 ملايين زيارة في 2020، بحسب ما نشرته وكالة «وام» في تقرير لها.

توصيات

01 العمل على إيجاد صلة بين التراث والآثار وما تحمله من مخزون معرفي وربطها مع أبناء الأجيال الحالية والمقبلة

02 تضمين لغة الشرح مجموعة من العبارات القادرة على إثارة الفضول المعرفي لدى الشباب والاعتماد على مفهوم الحكاية والسؤال والجواب

03 يجب أن تكون المتاحف أكثر قرباً إلى مجتمعاتها لتتمكن من تلمس احتياجاتهم وتقديم ما يناسبها من خدمات

04 تحفيز العائلات على تأسيس علاقة قوية تربط الشباب بالمتاحف، وتشجعهم على الاستزادة من المعرفة

05 العمل على تطوير المتاحف الشخصية ومدها بما تحتاجه من ميزانيات حتى تتمكن من استخدام الأساليب الرقمية الحديثة

 

 

اقرأ ايضاً

أحمد الطنيجي: الصوتيات والواقع الافتراضي أساسان للجذب

عبدالله المطيري:قيمة المقتنيات والقطع تبقى حجر الزاوية

طباعة Email