لماذا ندفع المال كي نخاف؟ السر الذي فهمه أرسطو قبل السينما

قبل أن تصبح الوحوش مؤثرات بصرية على شاشة السينما، وقبل أن ندفع ثمن تذكرة لمشاهدة قصة نعرف مسبقاً أنها ستخيفنا، عرف الإنسان منذ العصور القديمة انجذاباً غريباً إلى مشاهد الخوف والعنف.

وفي روما القديمة، كان هذا الانجذاب أكثر قسوة مما نعرفه اليوم، فقد شهدت الساحات العامة إعدامات اتخذ بعضها طابعاً استعراضياً، وأُجبر بعض المحكوم عليهم على تجسيد شخصيات من الأساطير ضمن مشاهد تنتهي بتنفيذ العقوبة أمام الجمهور، وهكذا اختلطت الحكاية بالعقاب والفرجة، وتحولت بعض الأساطير من قصص تُروى إلى عروض ذات نهايات حقيقية. 

بعد أكثر من ألفي عام، تغير المشهد جذرياً، أصبح الوحش خيالياً، والخطر مصنوعاً، والموت تمثيلاً، ومع ذلك، بقي شيء واحد على حاله: انجذابنا إلى مشاهدة ما يخيفنا.

فنحن نقضي جانباً كبيراً من يومنا في تجنب مصادر القلق، نبتعد عن الأخبار المزعجة، ونحاول السيطرة على التوتر، ونبحث عن بعض الهدوء بعد ساعات العمل الطويلة.

ثم يأتي المساء، فنطفئ الأنوار ونجلس أمام الشاشة، ونختار بإرادتنا فيلماً صُمم أساساً لرفع نبضات القلب وإبقائنا في حالة ترقب.

إذا كان الخوف شعوراً نحاول الهروب منه في الحياة، فلماذا نبحث عنه في السينما؟

ربما اقترب أرسطو من الإجابة قبل أكثر من ألفي عام عندما تحدث في كتابه «فن الشعر» عن مفهوم«التطهير».

فالتراجيديا، وفق تصوره، تثير لدى المتلقي مشاعر الخوف والشفقة، وترتبط في النهاية بتطهير هذه الانفعالات.

وظل المعنى الدقيق لهذا «التطهير» محل نقاش طويل بين الباحثين، بين من قرأه باعتباره تنقية للمشاعر ومن ربطه بفكرة التفريغ منها. 

وهنا تصبح أفلام الرعب الحديثة مساحة مثيرة لإعادة التفكير في الفكرة.

فنحن لا نستطيع الصراخ كلما ضغط علينا العمل، ولا الهرب عندما تتراكم المسؤوليات.

هناك فواتير، وازدحام، ورسائل لا تنتهي، وعلاقات معقدة، وأخبار مقلقة، وخوف من مستقبل لا يمكن توقعه، تتكدس ضغوط صغيرة داخل اليوم، وغالباً من دون بداية واضحة أو نهاية تمنحنا شعوراً بأن الأمر انتهى.

أما فيلم الرعب فيفعل شيئاً مختلفاً: يمنح الخوف شكلاً وحدوداً.

هناك منزل مظلم، أو صوت خلف الباب، أو شيء مجهول ننتظر ظهوره، يبدأ القلق، ويتصاعد التوتر، ويبلغ ذروته، ثم تأتي النهاية.

وفجأة تصبح المشاعر التي يصعب الإمساك بها في حياتنا مرتبطة بخطر واضح نستطيع رؤيته وسماعه، والأهم أننا نعرف في أعماقنا أنه لن يؤذينا.

ومن هنا يبدو «التطهير» أكثر إثارة، ربما لا نبحث عن أفلام الرعب لأن حياتنا تفتقر إلى التوتر، وإنما لأنها ممتلئة به.

ربما نريد مساحة نسمح فيها للخوف المكبوت بأن يجد مخرجاً، فنترك القلب يتسارع والجسد يتوتر، ثم نصل إلى نهاية واضحة لا تمنحنا إياها ضغوط الحياة بالسهولة نفسها.

ولا يعني ذلك أن العلم أثبت أن أفلام الرعب «تطهر» الإنسان نفسياً بالمعنى الحرفي.

فالمراجعات العلمية تشير إلى أن الانجذاب إلى الرعب أكثر تعقيداً، وقد يرتبط بعوامل من بينها البحث عن الإثارة، فيما لا يوجد تفسير نفسي واحد يمكن تطبيقه على جميع المشاهدين. 

لكن الجسد يشارك في التجربة فعلاً، فالمحتوى المخيف قادر على إثارة استجابات جسدية مرتبطة بالخوف والإثارة، في الوقت الذي يعرف فيه المشاهد أن التهديد ليس حقيقياً.

وتمنح هذه المسافة بين الخوف والأمان الرعب طبيعته الغريبة: نستطيع الاقتراب من شيء يخيفنا لأننا نعرف أننا نستطيع الابتعاد عنه متى شئنا. 

وقد يكون للرعب دور آخر أكثر إثارة، وهو التدرب على مواجهة الخوف، فقد وجدت دراسة شملت 310 أشخاص خلال جائحة كورونا ارتباطاً بين مشاهدة أفلام الرعب ومرونة نفسية أكبر خلال الجائحة، بينما ارتبط الاهتمام بأعمال الكوارث ونهاية العالم باستعداد نفسي أكبر.

ورأى الباحثون أن القصص المخيفة قد تقدم نوعاً من المحاكاة الذهنية للمواقف المهددة، مع التأكيد أن النتائج تظهر ارتباطاً ولا تثبت أن أفلام الرعب هي التي سببت تلك المرونة. 

وهكذا نعود مرة أخرى إلى «التطهير»، فبعد يوم نقضي فيه ساعات ونحن نكبح مخاوفنا ونتعايش مع ضغوطنا، يسمح لنا فيلم الرعب بأن نفعل العكس، يتصاعد التوتر، ويتسارع القلب، يصل الخوف إلى قمته، ثم ينتهي الفيلم وتضاء الغرفة.

وربما هنا تحديداً تكمن متعة الرعب، ليس في اللحظة التي نخاف فيها فقط، وإنما في اللحظة التي تأتي بعدها.