في خطوة قد تمهّد لجيل جديد من الأجهزة الإلكترونية ذاتية التشغيل، طوّر باحثون من جامعتي أركنساس وميشيغان الأميركيتين مستشعراً صغيراً لقياس درجة الحرارة، يستطيع العمل دون بطارية تقليدية أو توصيل مباشر بمصدر كهرباء، مستفيداً من الطاقة الكهرومغناطيسية المحيطة بالأسلاك الكهربائية.
وتعتمد التقنية على مادة الغرافين، التي تتكون من طبقة واحدة من ذرات الكربون، لالتقاط جزء من الطاقة التي تولّدها المجالات المغناطيسية الضعيفة حول الأسلاك التي يمر فيها تيار كهربائي متردد، ثم تحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام في تشغيل المستشعر.
ويستهلك النموذج الأولي طاقة تُقاس بالنانوواط، أي بأجزاء من مليار من الواط، ما يجعله مناسباً للتطبيقات الإلكترونية فائقة الانخفاض في استهلاك الطاقة. ويأمل الباحثون أن تسهم هذه التقنية في تطوير مستشعرات مستقلة قادرة على العمل فترات طويلة دون الحاجة إلى استبدال بطارياتها باستمرار.
تنتج الأسلاك الكهربائية التي تحمل تياراً متردداً مجالات مغناطيسية تتغير باستمرار، وبدلاً من ترك هذه الطاقة المحيطة دون استخدام، صمم الباحثون نظاماً يلتقط جزءاً منها ويوظفه لتشغيل الأجهزة الإلكترونية الصغيرة.
ويستخدم النظام ملفاً حثياً مصنوعاً من الغرافين لالتقاط الطاقة، ثم يمرر الإشارة الكهربائية المترددة إلى دائرة إلكترونية مخصصة تحولها إلى تيار مستمر. وبعد ذلك، تُخزّن الطاقة في مكثفات يمكنها تزويد المستشعر بالكهرباء عند الحاجة.
وعلى خلاف البطاريات التقليدية التي تخزن الطاقة عبر تفاعلات كيميائية، تحتفظ المكثفات بالطاقة في مجال كهربائي، وتتيح إطلاقها لتشغيل الدوائر الإلكترونية.
وأوضح بول تيبادو، أستاذ الفيزياء في جامعة أركنساس، أن الملف الحثي يضيف الشحنات إلى المكثفات تدريجياً، لكن معدل الشحن يظل أسرع من معدل استهلاك المستشعر للطاقة، ما يسمح بتكوين احتياطي كهربائي يحافظ على تشغيله.
ووفقاً لتقديرات تيبادو، قد تكفي الطاقة المخزنة لتشغيل الجهاز لمدة لا تقل عن 24 ساعة أثناء انقطاع الكهرباء، وقد تمتد المدة إلى أسبوع، بحسب الظروف التشغيلية.
أبحاث
لا يمثل المستشعر الجديد أول محاولة للفريق لتوظيف الغرافين في تشغيل الأجهزة ذاتياً، بل يأتي امتداداً لأبحاث سابقة أظهرت إمكانية استخدام خلايا شمسية قائمة على هذه المادة لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل مستشعرات حرارية.
ويتميز الغرافين بخصائص كهربائية تجعله مادة واعدة في تطبيقات حصاد الطاقة، وهو المجال الذي يركز على جمع كميات صغيرة من الطاقة المتاحة في البيئة المحيطة وتحويلها إلى كهرباء قابلة للاستخدام.
ويعمل الباحثون على تطوير أنظمة تجمع بين مصادر متعددة للطاقة، تشمل ضوء الشمس والحرارة والصوت والحركة والمجالات الكهرومغناطيسية المحيطة.
ومن شأن دمج هذه المصادر أن يساعد الأجهزة على مواصلة العمل حتى عند غياب أحدها، ويقلل اعتمادها على مصدر طاقة واحد.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أن كثيراً من المستشعرات الحديثة تستهلك كميات ضئيلة للغاية من الكهرباء، ما يجعل تشغيلها باستخدام مصادر طاقة محيطة أمراً ممكناً من الناحية التقنية، شريطة توافر طاقة كافية بصورة مستمرة.
زراعة ذكية
قد تمتد التطبيقات المستقبلية لهذه التقنية إلى مجالات عديدة، من بينها مراقبة الظروف البيئية، والزراعة الذكية، والأجهزة القابلة للارتداء، ومتابعة بعض المؤشرات الصحية، وإدارة سلاسل الإمداد التي تتطلب مراقبة مستمرة لدرجات الحرارة وظروف التخزين والنقل.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمستشعرات صغيرة أن تراقب درجات الحرارة في المستودعات أو أثناء نقل المنتجات الحساسة، من دون الحاجة إلى تغيير البطاريات بصورة متكررة، وهو ما قد يقلل تكاليف الصيانة ويحد من النفايات الإلكترونية.
ويطمح الفريق إلى تطوير أجهزة يمكن تركيبها وتركها تعمل لفترات طويلة بأقل تدخل بشري، في نهج يصفه تيبادو بأنه «اضبطها واتركها تعمل».
لكن الوصول إلى تشغيل موثوق يمتد لعقود لا يزال هدفاً بحثياً، ولم تثبت التجارب الحالية تحقيق هذه المدة فعلياً.
ونُشرت نتائج البحث في مجلة Journal of Vacuum Science & Technology B، وكان الباحث إم دي رضاول كبير، طالب الدكتوراه في علوم وهندسة المواد بجامعة أركنساس، المؤلف الأول للدراسة، بمشاركة باحثين من جامعة ميشيغان، بينهم ديفيد بلاو، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب والمتخصص في المستشعرات اللاسلكية منخفضة استهلاك الطاقة.
براءة اختراع
تتولى شركة «NTS Innovations»، المتخصصة في تقنيات النانو، حيازة الترخيص الحصري لتسويق تقنية حصاد الطاقة القائمة على الغرافين. كما تدعم الشركة جهود تطوير براءات الاختراع، وتحديد الاستخدامات التجارية المحتملة، والتواصل مع العملاء والشركاء الصناعيين.
وبحسب المعلومات الواردة عن المشروع، أبدى أكثر من 60 طرفاً اهتماماً باختبار التقنية ودراسة إمكانية دمجها في منتجات مختلفة، فيما تساعد المناقشات الجارية على تحديد متطلبات التطبيقات العملية، بما في ذلك الحد الأدنى من الطاقة اللازم لتشغيل كل جهاز.
ومع تزايد انتشار الأجهزة المتصلة بالإنترنت في المنازل والمصانع وأنظمة المراقبة البيئية، قد تمثل تقنيات حصاد الطاقة خطوة مهمة نحو شبكات من المستشعرات التي تجمع البيانات بصورة مستمرة، مع تقليل الحاجة إلى البطاريات وأعمال الصيانة المتكررة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية سيعتمد على قدرة الأنظمة المستقبلية على توفير طاقة مستقرة في ظروف الاستخدام المختلفة، وضمان استمرار عمل المستشعرات بكفاءة على المدى الطويل.

