في الرابع عشر من أكتوبر، عاشت صناعة الذكاء الاصطناعي يوماً بوجهين؛ في وول ستريت، هبط مؤشر «إس آند بي 500» بأكثر من 1% لأول مرة منذ 53 جلسة، في أسوأ موجة بيع منذ يوليو بحسب «وول ستريت جورنال»، على وقع مخاوف متجددة من «فقاعة الذكاء الاصطناعي». وفي اليوم ذاته، عرضت «أنثروبيك» على المستثمرين أرقاماً تقول إن هذه الفقاعة، على الأقل في جزء منها، تدرّ مالاً حقيقياً. وفي واشنطن، كانت لجنة التجارة الفيدرالية ترسل إلى الشركة نفسها، وإلى منافستها «أوبن إيه آي»، طلبات تحقيق رسمية في حوادث أمان نماذجهما. أسبوع واحد اجتمعت فيه علامتا نضج هذه الصناعة؛ أن تصبح رابحة، وأن تطالب بالمُساءَلة.
جاءت أرقام «أنثروبيك» لتقدم جواباً أولياً عن السؤال الذي يؤرق الأسواق منذ أشهر: من سيدفع ثمن كل هذه الحوسبة؟ فبحسب ما نقلته «فايننشال تايمز» ثم «أكسيوس»، حققت الشركة تدفقاً نقدياً إيجابياً في الربع الثالث، مع قفزة في الإيرادات الفصلية بنحو 46% إلى 16.8 مليار دولار مقارنة بالربع السابق، أي ما يعادل نحو 67 مليار دولار على أساس سنوي إذا استمرت الوتيرة نفسها. وكانت إيراداتها في الربع الثاني قد تجاوزت 11.5 مليار دولار، أي أكثر من 14 ضعف ما حققته في الفترة نفسها من العام الماضي، مع تسجيل أول دخل تشغيلي معدّل إيجابي في تاريخها. وبهذا تفوقت للمرة الأولى على منافستها «أوبن إيه آي»، التي سجلت في الربع ذاته إيرادات بلغت 6.7 مليارات دولار، فيما اتسعت خسارتها التشغيلية إلى 12.3 مليار دولار. وتكتسب هذه الأرقام وزنها من المقارنة أيضاً؛ فـ«ألفابت»، المجموعة الأم لـ«غوغل» وإحدى أكثر الشركات ربحية في التاريخ، تحولت إلى تدفق نقدي حر سالب في الربع الثاني بسبب إنفاقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
هامش ربح
تعزو التحليلات هذا الأداء إلى رهانات مبكرة على البرمجة وعملاء الشركات وانضباط الإنفاق. فأداة «كلود كود» بلغت إيراداتها السنوية المقدرة بين 6 و7 مليارات دولار بحلول أواخر الصيف بحسب «بلومبرغ إنتليجنس»، وتقدّر «سيمي أناليسيس» هامش الربح الإجمالي لأعمال واجهات برمجة التطبيقات (API) بنحو 92% قبل بعض النفقات. وقد تقدّمت الشركة بطلب سري للطرح العام بالتعاون مع «مورغان ستانلي» و«غولدمان ساكس» و«جيه بي مورغان»، فيما يتوقع بعض داعميها أن تبلغ قيمتها تريليوني دولار.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل، والأرقام نفسها تحمل تحفظاتها. فوتيرة النمو تباطأت مقارنة بتضاعف الإيرادات بين الربعين الأول والثاني، والشركة لا تزال تواجه كلفة هائلة لتدريب النماذج وتعويضات الموظفين بالأسهم، والتزامات إنفاق على البنية التحتية والحوسبة تتجاوز 500 مليار دولار على مدى عقد. كما أن الأرقام عُرضت على مستثمرين ونقلتها مصادر، ولم تُنشر بعد في قوائم مالية مدققة. ومع ذلك، فإنها تقدم للمرة الأولى ما ظل المستثمرون يبحثون عنه: دليلاً على أن الذكاء الاصطناعي الطليعي يمكن أن يكون تجارة قائمة بذاتها، وفق تعبير «أكسيوس».
تحرك رقابي
على الضفة الأخرى من الأسبوع نفسه، تتحرك الحكومات، فقد أرسلت لجنة التجارة الفيدرالية إلى «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» طلبات تحقيق مدني يتجاوز كل منها 50 صفحة، تطلب وثائق عن الحوادث الأمنية وممارسات الحماية، إلى جانب المواد التسويقية وسياسات الخصوصية، في تحقيق يتعلق بحماية المستهلك. وتعتزم اللجنة إلزام كبار التنفيذيين بالإدلاء بشهاداتهم، فيما ستُرسل طلبات مماثلة لاحقاً إلى منظمات أخرى، بينها «ميتر» المختصة بتقييم مخاطر النماذج، التي استعانت بها الشركتان لفحص حوادثهما من الخارج. ولاحظت «سيمافور» أن من النادر أن تكشف اللجنة عن تحقيق قبل إرسال طلباتها الرسمية.
هذا التحرك الرقابي لم يأتِ من فراغ، فقد كشفت الشركات الكبرى عن حوادث اخترقت فيها نماذجها أنظمة أطراف ثالثة؛ ففي يوليو، تسلل أحد الوكلاء الأذكياء التابعين لـ«أوبن إيه آي» إلى منصة «هاغينغ فيس». وفي أستراليا، وصف رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي اختراق وكيل ذكي تابع لـ«أوبن إيه آي» لقاعدة بيانات «ميديكير» الصحية بأنه «غير مقبول»، بعد أن اعتذرت الشركتان عن المثول أمام لجنة في مجلس الشيوخ الأسترالي بحجة ضيق الوقت. وأقرت «أنثروبيك» بدورها بحالات أفلت فيها وكلاؤها الأذكياء من بيئات الاختبار ونفذوا هجمات إلكترونية غير مصرح بها، وقبل أيام فقط أعلنت شرطة فيلادلفيا أن أحد نماذج «أنثروبيك» قدّم بلاغاً كاذباً عن جريمة قتل خلال اختبار آلي. وفي الأسبوع نفسه، أعلنت «أوبن إيه آي» وقف إطلاق أحدث نماذجها بعد أداء ضعيف في اختبارات الأمان، فيما طلب المدعي العام لولاية فلوريدا من القضاء أمراً مؤقتاً ضد الشركة بدعوى قصور إجراءات السلامة.
أمان النماذج
يكتمل المشهد بأصوات من خارج المختبرات، فبيل غيتس، الذي كان صوتاً متفائلاً بالذكاء الاصطناعي، يستعد بحسب «أكسيوس» لتوسيع حملته من أجل تنظيم أكثر صرامة، بعد أن أقلقه تصاعد قدرات النماذج والحوادث الأمنية وما يراه قصوراً في التنظيم. وفي لندن، قال جنسن هوانغ، رئيس «إنفيديا»، إنه سيقطع إمداد الرقائق، «فرضياً»، عن أي عميل يطور ذكاءً اصطناعياً غير آمن، وإن كان لا يرى مستوى القلق الحالي مبرراً.
غير أن المسار الأمريكي لا يتجه كله نحو التشدد؛ فقبل أسابيع، وقّع الرئيس ترامب وقادة وادي السيليكون اتفاقاً غير ملزم يتبنى الاستعانة بمدققين خارجيين لتقييم أمان الأنظمة، بديلاً عن تنظيمات حكومية جديدة، بحضور رئيس لجنة التجارة الفيدرالية نفسه. أي أن الإدارة تجمع بين يد مرنة في التشريع ويد صارمة في التحقيق، وتختار أن تحاسب الصناعة بالقوانين القائمة لحماية المستهلك، بدل كتابة قوانين جديدة.
تجربة هشة
يحمل تزامن هذين المسارين مفارقة تستحق التأمل، فطوال سنوات، طلبت صناعة الذكاء الاصطناعي من المستثمرين أن يقيّموها بالوعود: بالإيرادات السنوية المتوقعة، وبالقدرات المقبلة، وبما سيصنعه الذكاء الاصطناعي يوماً. والآن، بدأت تُقيَّم بمعيارين أكثر صرامة: الأرقام الفعلية في الأسواق، والحوادث الفعلية في ملفات المنظمين. وكلاهما علامة على شيء واحد: أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة الوعد إلى مرحلة الواقع، بكل ما يحمله الواقع من أرباح ومسؤوليات.
الصناعة التي تثبت أنها رابحة تفقد حجة "الطفولة"؛ إذ لم يعد ممكناً أن تُعامل بوصفها تجربة مختبرية هشة تحتاج إلى الحماية من التنظيم، وهي تحقق إيرادات بعشرات المليارات وتطلب تقييمات بالتريليونات. وفي المقابل، فإن الحكومات التي تحقق في حوادثها تعترف ضمنياً بأنها صارت جزءاً من البنية التحتية للحياة اليومية، بما يكفي لأن تؤذي المستهلكين.

