لم تستيقظ الذبابة داخل لعبة «دوم»، ولم تعرف أنها تحمل سلاحاً أو أن عليها النجاة، ومع ذلك كانت نسختها الرقمية تتحرك وتطلق النار وتعاقب كلما أخطأت، ثم تعود إلى المحاولة، وكأن أول ما خطر للبشر حين امتلكوا خريطة عقل صغير هو أن يضعوه في الخطر ويراقبوا ما سيفعله.
قبل ذلك بأيام، كانت الشبكة التي تقود هذه الشخصية إنجازاً علمياً هائلاً، إذ نجح باحثون بعد سنوات طويلة من التصوير المجهري والحوسبة والمراجعة البشرية في رسم الجهاز العصبي المركزي الكامل لذكر ذبابة الفاكهة، في خريطة تضم نحو 166,700 خلية عصبية و125 مليون اتصال، وتشمل الدماغ والفصوص البصرية والحبل العصبي المسؤول عن الحركة، وبحسب «غوغل للأبحاث» تعد هذه أكبر خريطة دماغية أُنجزت حتى الآن من حيث عدد الخلايا العصبية.
كان العلماء يريدون أن يفهموا كيف تتحول صورة تصل إلى العين إلى حركة في الساق أو الجناح، وكيف تنتقل الإشارة من الحواس إلى العضلات، لكن الإنترنت قام بأسر الذبابة في اختبارات مختلفة تقيس قدرتها على اللعب وتمرير الفيديوهات.
في إحدى التجارب، تحولت كل لقطة من لعبة «دوم» إلى إشارات ترسل إلى خلايا اختيرت لتمثيل حواس الذبابة، ثم ترجمت إشارات عصبية أخرى إلى أوامر للحركة وإطلاق النار، وعندما أصيبت الشخصية أرسل البرنامج إشارة إلى خليتين مرتبطتين بالدوبامين بوصفها شكلاً مبسطاً من العقاب، ثم أعادها إلى اللعبة لتجرب مرة أخرى.
وبعد «دوم» وصلت الذبابة إلى «سوبر ماريو 64» و«بيت سيبر»، ولم تكن بالطبع لاعبة ماهرة، ففي إحدى التجارب ظلت شخصية ماريو تتحرك وتصطدم بالجدار، في مشهد يعيد بصورة ساخرة التجربة اليومية لذبابة تحاول الخروج عبر نافذة مغلقة.
ثم قرر الإنترنت أن اللعب لا يكفي، فأصبحت الذبابة موظفة أيضاً، إذ استخدم صحفي في مجلة «وايرد» نموذجاً مبنياً على خريطتها العصبية لاقتراح أفكار وعناوين صحفية، ولم يكن النموذج يفهم اللغة أو يعرف معنى الخبر، إنما كان يعيد ترتيب الأنماط التي تعرّض لها، ومع ذلك وجدت الذبابة الرقمية نفسها، بعد ساحات القتال، ملحقة باقتصاد المحتوى.
هنا تبدو كلمة «تعذيب» مغرية، لأنها تمنح المشهد ضحيته وتمنحنا شعوراً غامضاً بالذنب، لكن لا توجد ذبابة واعية محبوسة داخل الجهاز، وما نشره العلماء ليس عقلاً حياً، إنما خريطة للتوصيلات العصبية، وهي تشبه خريطة للمترو تظهر الخطوط والمحطات ونقاط الالتقاء، لكنها لا تخبرنا بمن يركب القطار أو إلى أين يذهب أو ما الذي يشعر به في الطريق.
ولا تتضمن الخريطة كل ما يجعل الدماغ حياً، فهي لا تسجل بصورة كاملة النشاط الكهربائي والكيميائي المتغير، ولا تأثير الجوع والهرمونات والعمر والتجارب السابقة، ولذلك يضيف المبرمج بنفسه القواعد التي تحدد كيف تتحول صورة اللعبة إلى إحساس، وأي إشارة تعني الحركة، وما الذي يمثل المكافأة أو العقاب، فما نشاهده ليس ذبابة انتقلت إلى الحاسوب، بل مزيج من بيانات بيولوجية وهندسة برمجية وخيال بشري.
ومع ذلك، تحمل هذه التجارب قيمة تتجاوز العبث، فتوصيل الخريطة بجسد افتراضي قد يساعد الباحثين في الاقتراب من سؤال علمي شديد الصعوبة، كيف تتحول شبكة من الخلايا والاتصالات إلى حركة وقرار وسلوك، كما قد يلهم تصميم روبوتات تعالج المعلومات محلياً وتتحرك بسرعة من دون انتظار الأوامر من مركز واحد.
لكن الجانب الأكثر إثارة لا يتعلق بما إذا كانت الذبابة تستطيع اللعب، بل بما اخترناه نحن لها، فحين حصل الإنسان على نسخة رقمية من جهاز عصبي صغير لم يضعها في حديقة افتراضية، ولم يتركها تطير أو تبحث عن الطعام، بل أرسلها إلى معركة، وعاقبها حين خسرت، ثم طالبها بإنتاج أفكار للعمل.

