وصف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، المراجعة الطوعية التي أجرتها إدارة ترامب لنموذج الشركة المقبل «أسترا» بأنها عملية مثمرة، مؤكداً أن الانخراط الأوثق مع المسؤولين الحكوميين حول العالم سيزداد أهمية كلما تقدمت قدرات الذكاء الاصطناعي.
وتكتسب تصريحاته أهميتها من كون «أوبن إيه آي» على وشك إطلاق «أسترا»، وهو أول نموذج تصنّفه الشركة عند مستوى «حرج» في القدرات السيبرانية، وهو تصنيف تقول إنه يستوجب ضمانات أشد خلال التطوير وقبل الإصدار.
و«أسترا» نموذج لغوي كبير أعلنت الشركة يوم الثلاثاء أنه أول نماذجها الذي يتجاوز عتبة القدرات السيبرانية «الحرجة» ضمن ما تسميه «إطار الاستعداد». وتُعرّف الشركة هذه العتبة بأن يكون النموذج قادراً على تحديد ثغرات «اليوم صفر» وتطوير أدوات استغلال فعّالة لها بجميع درجات الخطورة في أنظمة حيوية واقعية محصّنة من دون تدخل بشري، أو أن يبتكر وينفّذ استراتيجيات هجوم سيبراني متكاملة ضد أهداف محصّنة انطلاقاً من هدف عام فقط. وقد أظهرت التقييمات التي قادها خبراء أن النموذج اكتشف ثغرات غير معروفة سابقاً وحوّلها إلى سلاسل استغلال عاملة، إذ بنى سلسلة اختراق كاملة لمتصفح محصّن مكّنته من الخروج من الصندوق الرملي وتنفيذ أوامر على الجهاز المضيف، كما عثر على ثغرات متعددة في نظام تشغيل محصّن وربطها في سلسلة رفع صلاحيات نقلته من مستخدم عادي إلى صلاحية الجذر. وخلال الاختبار، اكتشف النموذج ثغرتي «يوم صفر» وربط بينهما.
وقالت الشركة إنها تعتزم إتاحة «أسترا» «قريباً» من دون تحديد موعد، على أن تظل قدراته السيبرانية الأكثر تقدماً محصورة في مجموعة صغيرة من المختبِرين. وأوضحت أميليا غليزه، نائبة رئيس قسم الأبحاث في الشركة، خلال إحاطة صحفية، أن النموذج يستطيع العثور على عيوب أمنية غير معروفة سابقاً وابتكار طرق لاستغلالها في أنظمة جيدة الحماية من دون أن يوجّهه إنسان في كل خطوة. وتقول الشركة إن «أسترا» يرفض 91.5% من محاولات الالتفاف على قيوده في المجال السيبراني، مقابل 59% في نموذجها السابق، مع إقرارها بأن هذه الضمانات قد تصنّف نشاطاً مشروعاً خطأً، فتُبطئ مهام أمنية دفاعية أو توقفها. وكانت الشركة قد أوقفت أجزاءً من تطوير النموذج في أغسطس الماضي بعد أن أشارت تقييمات أولية إلى احتمال بلوغه العتبة الحرجة. ويصعب في المقابل تقييم ادعاءات الشركة بشأن السلامة والاستعداد من دون تأكيد طرف ثالث مستقل.
وكانت إدارة ترامب قد وضعت إطاراً طوعياً لمراجعة بعض نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قبل إصدارها، يتضمن احتمال منح مسؤولين حكوميين حق الاطلاع على النموذج مدة تصل إلى 30 يوماً. غير أن البيت الأبيض لا يعتزم نشر هذا الإطار علناً، ما يبقي جانباً كبيراً من مقاربة الحكومة غامضاً أمام الرأي العام وأمام الشركات الواقعة خارج دائرة المشاركة، في وقت تواصل فيه أبرز المختبرات المشاركة في العملية إصدار نماذج أكثر قوة.
وأكد ألتمان، في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، أن الإدارة راجعت «أسترا» فعلاً، وشدد على أن العملية طوعية، مضيفاً أن شركته أجرتها رغم ذلك. وقال إن أهمية الانخراط الوثيق مع معاهد السلامة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأماكن أخرى من العالم ستتزايد كلما بلغت النماذج مستوى قدرات عالياً، ووصف «أسترا» بأنه خطوة مهمة إلى الأمام.
جاءت التصريحات على هامش الاجتماع الوزاري للابتكار ضمن مجموعة العشرين، الذي عُقد في مدينة تشابل هيل بولاية نورث كارولينا، إذ حضر ألتمان أمس الأربعاء للحديث مع وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أمام جمهور من وزراء التجارة والتكنولوجيا، استمعوا على مدى يومين إلى الطرح الأميركي بشأن قيادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي.
وخلال جلسة حوارية مع لوتنيك على مأدبة الغداء، قدّم ألتمان شركته بوصفها ممثلة لتيار «الوسط البراغماتي»، قائلاً إن البشر يجب أن يظلوا في مركز الاقتصاد والمجتمع وصناعة القرار العالمي، وإن الناس هم من ينبغي أن يديروا المستقبل، لا الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، حذر جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، خلال حديثه مع لوتنيك في جلسة الإفطار، من الخطاب القائم على التخويف من الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن أسوأ النتائج الممكنة هي عدم الاستفادة من هذه التقنية والتخلف عن الركب. ولقيت رسالته تجاوباً واضحاً من عدد كبير من الوزراء الحاضرين.
ودعا ألتمان إلى مقاربة واقعية ودقيقة، منتقداً ما وصفه بنزعة التشاؤم المفرط حين تُستخدم أداةً لاكتساب مزيد من النفوذ أو السيطرة أو لفرض رؤية للعالم، معتبراً إياها ضارة. وأضاف أن التفاؤل الأعمى الذي يتجاهل المخاطر ضار بالقدر نفسه.
وتواجه «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» انتقادات مفادها أن تأييدهما لبعض أشكال تنظيم الذكاء الاصطناعي قد يصب في مصلحة المختبرات الكبرى، ويزيد صعوبة اللحاق بها على المنافسين الأصغر. وكانت «أنثروبيك» قد أثارت في وقت سابق من العام مخاوف مشابهة بشأن نموذجها «ميثوس»، واتخذت احتياطات قريبة من تلك التي تعتمدها «أوبن إيه آي» اليوم.
وبينما تعتمد واشنطن على إطار طوعي غير منشور، يمضي الاتحاد الأوروبي في مسار مغاير قائم على إلزام قانوني. فقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي دخل حيز النفاذ في أغسطس 2024، وبدأ سريان الالتزامات الخاصة بنماذج الأغراض العامة في 2 أغسطس 2025، فيما صارت صلاحيات فرض الغرامات على مستوى الاتحاد على مزوّدي هذه النماذج نافذة منذ 2 أغسطس 2026، وتصل العقوبات إلى 35 مليون يورو أو 7% من إجمالي الإيرادات السنوية. وتُعامَل النماذج التي يتجاوز حجم الحوسبة المستخدم في تدريبها عتبة معينة، أو التي تصنّفها المفوضية كذلك، بوصفها ذات «خطر نظامي»، فتلتزم بإجراء تقييمات للنموذج واختبارات خصامية، وتقييم المخاطر النظامية وتخفيفها، والإبلاغ عن الحوادث الخطيرة، واعتماد ضمانات أمن سيبراني، مع إبلاغ «مكتب الذكاء الاصطناعي» الأوروبي.
ورغم أن حزمة «الأومنيبوس الرقمي» الصادرة في يوليو الماضي أرجأت التزامات الأنظمة عالية الخطورة إلى ديسمبر 2027 وأغسطس 2028، فإنها أبقت التزامات نماذج الأغراض العامة على جدولها الأصلي من دون تعديل. والفارق الجوهري بين المقاربتين أن الأوروبي يفرض واجبات ملزمة على المطوّر تحت طائلة الغرامة، فيما يقوم النموذج الأميركي على مراجعة اختيارية تحتفظ الحكومة بتفاصيلها لنفسها.
وفي قراءة أوسع للمشهد التشريعي الأميركي، قال ألتمان إنه توقع، بعد أول شهادة أدلى بها أمام المشرعين عام 2023، أن يضع الكونغرس إطاراً أساسياً للذكاء الاصطناعي المتقدم، غير أن ذلك لم يحدث. وأرجع هذا الجمود على الأرجح إلى سرعة تطور التقنية، موضحاً أن الناس يجدون صعوبة في معرفة ما ينبغي تنظيمه من دون إبطاء الابتكار، وأن دفع الكونغرس إلى إنجاز أمور كبيرة يبدو شديد الصعوبة.
ويُتوقع أن تواصل «أوبن إيه آي» إصدار نماذجها فيما تصارع الدول أسئلة السلامة. وختم ألتمان بدعوة العالم إلى تصديق أن نماذج أكثر قدرة بكثير في الطريق، وإلى التفكير من الآن في آثارها المحتملة على المجتمع، والعمل على إدارتها إدارة صحيحة.
