على بعد 54 مليون سنة ضوئية من الأرض.. ماذا اكتشف العلماء في عنقود العذراء؟

كشف مسح فلكي حديث عن أكثر من 2000 مجرة لم تكن معروفة من قبل ضمن عنقود العذراء المجري، أحد أقرب التجمعات المجرية الكبيرة إلى مجرتنا درب التبانة.

ويقع عنقود العذراء على مسافة تقدر بنحو 53.8 مليون سنة ضوئية من الأرض، ويضم مجموعة كبيرة من المجرات تختلف في أحجامها وأشكالها وخصائصها، ما يجعله أحد أهم المواقع الفلكية لدراسة تطور المجرات والبيئات التي تنشأ فيها.

وبحسب تقرير نشره موقع «IFLScience»، رفع المسح الجديد، المعروف باسم «مسح الجيل القادم لعنقود العذراء» (NGVS)، العدد الإجمالي للمجرات المعروفة في العنقود إلى أكثر من 3680 مجرة، بعدما كان مسح سابق قد رصد أكثر من 1300 مجرة.

وتكمن أهمية الاكتشاف في أن المجرات الجديدة التي رصدها الفريق البحثي خافتة وصغيرة للغاية، إذ يصل خفوت بعضها إلى درجة تجعلها أقل سطوعاً بنحو مليوني مرة مقارنة بألمع مجرة في العنقود.

تقنيات رصد تكشف مجرات خافتة

وقاد المسح عالما الفلك الكنديان لورا فيراريسي وباتريك كوتيه، بمشاركة فريق بحثي استخدم تقنيات رصد أكثر تطوراً من تلك المتاحة في الدراسات السابقة، بهدف الوصول إلى المجرات الصغيرة والخافتة التي يصعب اكتشافها باستخدام وسائل الرصد التقليدية.

واعتمد الفريق على تلسكوب كندا وفرنسا وهاواي، على مدى ستة مواسم للرصد، جُمعت خلالها آلاف الصور، قبل تحليلها باستخدام قدرات حاسوبية متقدمة لتحديد المجرات الجديدة ودراسة خصائصها.

ولم يقتصر العمل على رصد الأجرام السماوية، بل أتاح جمع معلومات عن الضوء الصادر من هذه المجرات، بما يساعد العلماء على تقدير أعمار التجمعات النجمية داخلها، وفهم مراحل تطورها وتاريخها.

وتضم قائمة المجرات المعروفة في عنقود العذراء مجرة «M87»، وهي واحدة من أكبر المجرات في المنطقة، وتشتهر بوجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركزها، كان أول ثقب أسود يتم تصويره مباشرة بواسطة تلسكوب أفق الحدث عام 2019.

لماذا يمثل عنقود العذراء أهمية خاصة؟

تنبع أهمية عنقود العذراء من تنوع المجرات التي يضمها، إذ تتباين بين المجرات الحلزونية والبيضاوية، فضلاً عن اختلاف أحجامها وسطوعها ومراحل تطورها، وهو ما يوفر للعلماء فرصة لدراسة أنواع متعددة من المجرات ضمن بيئة كونية واحدة.

وتوضح لورا فيراريسي أن المجموعة المحلية التي تنتمي إليها مجرتنا درب التبانة ومجرة أندروميدا لا تمثل تنوع المجرات في الكون بصورة كاملة، على عكس عنقود العذراء الذي يضم نماذج أكثر تنوعاً من حيث الأشكال والأحجام والخصائص.

وتضم المجموعة المحلية نحو 100 مجرة، تتصدرها درب التبانة وأندروميدا من حيث الحجم، بينما يتميز عنقود العذراء بوجود مجرات عملاقة وأخرى صغيرة جداً، ما يجعله نموذجاً مناسباً لدراسة تطور المجرات في التجمعات الكبيرة.

كما أن قرب العنقود من مجموعتنا المجرية يمنحه أهمية إضافية، إذ تؤثر جاذبيته في محيطه الكوني، وينتمي إلى بنية أكبر تعرف باسم «عنقود العذراء العظيم»، وهي منطقة واسعة تضم تجمعات مجرية متعددة، من بينها المجموعة المحلية التي نعيش فيها.

المجرات الصغيرة.. لبنات بناء المجرات العملاقة

ومن أبرز النتائج العلمية التي يتيحها المسح الجديد تعزيز فهم كيفية تشكل المجرات الكبيرة عبر الزمن، إذ تشير إحدى الفرضيات الرئيسية في علم الفلك إلى أن المجرات العملاقة نمت تدريجياً من خلال اندماج تجمعات أصغر من النجوم والغاز والمادة المجرية.

وشبهت فيراريسي هذه العملية بقطع المكعبات الصغيرة التي تتجمع معاً لتكوين بناء أكبر، موضحة أن المجرات الكبيرة تتشكل عندما تتحد أجزاء ومكونات مجرية صغيرة وتنمو لتصبح أنظمة أكثر ضخامة.

وتساعد دراسة آلاف المجرات الصغيرة في عنقود العذراء على اختبار هذه الفرضيات، خصوصاً أن العلماء لم يتمكنوا سابقاً من إجراء مسح عميق بهذا الحجم للمجرات الصغيرة داخل بيئة عنقودية واحدة.

وتشير النتائج أيضاً إلى احتمالات مثيرة تتعلق بالعلاقة بين كتلة المجرات وأحجام الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكزها، فقد رصد الباحثون بعض المجرات الصغيرة التي تحتوي على ثقوب سوداء أكبر مما يتوقعه العلماء مقارنة بكتلتها الحالية.

ويرجح الفريق أن بعض هذه المجرات فقدت أجزاء من كتلتها الخارجية عندما اقتربت من مركز العنقود، نتيجة تأثيرات الجاذبية والتفاعلات مع البيئة المحيطة بها، بينما بقيت الثقوب السوداء في مراكزها دون تأثر مماثل، ما جعلها تبدو أكبر نسبياً مقارنة بكتلة المجرات التي تستضيفها.

بداية لدراسات فلكية أوسع

ولا يمثل اكتشاف أكثر من 2000 مجرة نهاية العمل البحثي، بل يشكل قاعدة بيانات واسعة يمكن استخدامها في دراسات مستقبلية تتناول نشأة المجرات وتطورها، والعلاقة بين الثقوب السوداء والأنظمة المجرية التي توجد في مراكزها.

كما يوفر المسح فرصة لمقارنة المجرات في مراحل مختلفة من تطورها، وفهم تأثير البيئة المحيطة في بنيتها وكتلتها، إلى جانب دراسة الكيفية التي تتجمع بها المجرات الصغيرة لتكوين أنظمة كونية أكبر.

ونُشرت الدراسة في مجلة «The Astrophysical Journal»، فيما ترى فيراريسي أن النتائج تعكس قدرة العلماء على تطوير أدوات الرصد والتحليل للوصول إلى أجزاء من الكون لم تكن معروفة أو مفهومة بصورة كافية من قبل.

وبذلك، لا يقتصر الاكتشاف على إضافة آلاف المجرات إلى الخرائط الفلكية، بل يفتح نافذة جديدة لفهم كيفية بناء المجرات العملاقة، وتطور الثقوب السوداء، والتاريخ الكوني للمنطقة التي تنتمي إليها مجرتنا.