ظل بركان ماسايا في نيكاراغوا، المعروف ببحيرته المتوهجة من الحمم البركانية، يخفي لغزاً في أعماقه لم يكن العلماء يدركون أبعاده بالكامل. وعلى مدار ست سنوات، راقب الباحثون البركان من الفضاء، حتى رصدوا حركة غير متوقعة في الأرض المحيطة به، كشفت أن ما يحدث تحت سطحه أكثر تعقيدا مما كان يُعتقد.
فقد أظهرت بيانات الأقمار الصناعية أدلة على وجود مصدرين للماغما، أو الصهارة، لم يكن العلماء قد تعرّفوا إليهما بهذه الصورة من قبل. والأكثر إثارة أن أجزاءً مختلفة من البركان بدأت تتحرك في اتجاهات متعاكسة، في إشارة إلى أن الصهارة تتحرك داخل شبكة من الخزانات والممرات تحت الأرض بطريقة لم تُفهم بالكامل حتى الآن.
يقع بركان ماسايا بالقرب من ماناغوا، عاصمة نيكاراغوا، ويعيش نحو مليوني شخص على بُعد 21 كيلومترًا تقريبًا منه. كما يقع ضمن متنزه وطني يُعد وجهة سياحية شهيرة، ما يجعل فهم نشاطه البركاني أمرًا بالغ الأهمية لحماية السكان والزوار.
وأُجريت الدراسة بواسطة فريق من جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، ونُشرت نتائجها في مجلة Geophysical Research Letters. ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلًا في تحسين مراقبة البركان والتنبؤ بالثورانات البركانية، لكنهم لم يشيروا إلى وجود خطر فوري على المجتمعات المحيطة به.
وعلى الرغم من أن آخر تدفق كبير للحمم البركانية في ماسايا يعود إلى عام 1772، فإن البركان لا يزال يطلق الغازات بصورة مستمرة، من بينها ثاني أكسيد الكبريت، الذي قد يصل إلى تركيزات خطرة على الإنسان حتى في غياب ثوران كبير.
كيف راقب العلماء أعماق البركان؟
للكشف عن التغيرات التي يشهدها البركان، استعان الفريق ببيانات القمر الصناعي «سنتينل-1»، الذي يرصد المنطقة كل 12 يوما تقريبا، واستخدم تقنية تُعرف باسم رادار التداخل ذي الفتحة الاصطناعية (InSAR)، القادرة على اكتشاف تغيرات بالغة الصغر في ارتفاع سطح الأرض.
تعتمد هذه التقنية على إرسال إشارات رادارية نحو الأرض، ثم مقارنة الإشارات المرتدة في أوقات مختلفة لرصد أي تغير في المسافة بين القمر الصناعي والسطح. وتتميز هذه الطريقة بإمكانية إجراء القياسات حتى مع وجود السحب، وهي ميزة مهمة عند مراقبة البراكين الواقعة في المناطق الاستوائية، حيث تكثر الغيوم.
ومن خلال مقارنة البيانات التي جُمعت بين عامي 2018 و2024، تمكّن الباحثون من تتبّع تغيرات سطح البركان على مدى ست سنوات كاملة.
مفاجأة
كشفت البيانات أن الأرض داخل فوهة البركان الواسعة شهدت هبوطاً في البداية، قبل أن تبدأ في الارتفاع لاحقا. ويرجّح العلماء أن هذه التغيرات ترتبط بتبدّل كمية الصهارة الموجودة في الخزانات تحت الأرض؛ إذ يمكن أن يؤدي خروج الصهارة إلى هبوط السطح، بينما قد يتسبب تراكمها وارتفاع الضغط داخل الخزان في دفع الأرض إلى الأعلى.
لكن المفاجأة ظهرت بالقرب من فوهة سانتياغو، حيث استمر سطح الأرض في الهبوط طوال فترة الدراسة، حتى عندما بدأت أجزاء أخرى من البركان في الارتفاع.
ويشير هذا الاختلاف إلى احتمال وجود خزان ضحل للصهارة بالقرب من فوهة سانتياغو يفقد جزءًا من محتوياته، بالتزامن مع حصول الخزان الرئيسي على مزيد من الصهارة من مصدر أعمق.
وبعبارة أخرى، قد يكون البركان يتعامل مع خزانين للصهارة، يتغير سلوك كل منهما بصورة مختلفة؛ أحدهما قد يتلقى إمدادات إضافية من الأعماق، بينما يفقد الآخر الصهارة، وهو ما يفسر تحرك مناطق متجاورة في اتجاهات متعاكسة.
لا تعني هذه النتائج بالضرورة أن ثورانا وشيكا على الأبواب. فالدراسة ركزت على فهم حركة الصهارة والتغيرات التي تطرأ على سطح البركان، ولم تعلن عن وجود مؤشرات تؤكد قرب حدوث ثوران.
يساعد اكتشاف هذه الأنماط العلماء على تكوين صورة أوضح عن النظام البركاني المعقد تحت ماسايا. وقد تسهم مواصلة مراقبته بالأقمار الصناعية، إلى جانب وسائل الرصد الأخرى، في تحديد التغيرات غير المعتادة مبكرًا وتحسين القدرة على تقييم المخاطر مستقبلًا.

