لغز حيّر العلماء 50 عاماً.. هل رصدت ناسا زلزالاً على المريخ؟

قبل نحو 50 عاما، سجّل مسبار «فايكنغ 2» التابع لوكالة ناسا إشارتين غامضتين على سطح المريخ، حيّرتا العلماء لعقود. واليوم، تشير دراسة جديدة إلى أن إحداهما ربما كانت ناجمة عن نشاط زلزالي تحت سطح الكوكب الأحمر، في اكتشاف قد يعيد تفسير واحدة من أقدم محاولات رصد الزلازل المريخية.

في عام 1975، أرسلت ناسا مسباري «فايكنغ 1» و«فايكنغ 2» إلى المريخ، حيث هبطا على سطحه في يوليو وسبتمبر من ذلك العام. وكان الهدف من المهمة البحث عن مؤشرات محتملة للحياة، إلى جانب دراسة جيولوجيا الكوكب وفهم طبيعته الداخلية.

وزُوّد المسباران بأجهزة لقياس الاهتزازات الزلزالية، على أمل تحقيق نتائج مماثلة لتلك التي توصلت إليها بعثات «أبولو» على القمر، إذ رصدت أجهزتها آلاف الهزات القمرية بين عامي 1969 و1977.

لكن التجربة لم تسر كما خُطط لها؛ إذ تعذّر نشر جهاز قياس الزلازل على «فايكنغ 1» بالشكل الصحيح، فيما نجح «فايكنغ 2» في تشغيل جهازه، وإن كان موقعه أعلى هيكل المسبار قد فرض تحديات كبيرة على دقة القياسات.

فمن جهة، أتاح الجهاز دراسة رياح المريخ والتغيرات التي تطرأ عليها مع تعاقب الفصول، لكنه من جهة أخرى كان شديد الحساسية للرياح، ما جعل التمييز بين الاهتزازات الناتجة عن النشاط الزلزالي وتلك التي تسببها الرياح أمرا صعبا.

ولم يتمكن العلماء من دراسة النشاط الزلزالي للمريخ بصورة أكثر دقة إلا بعد هبوط المسبار «إنسايت» عام 2018، إذ وُضع جهازه الزلزالي مباشرة على سطح الكوكب، تحت غطاء واقٍ يقلل تأثير الرياح والضوضاء المحيطة.

وخلال مهمته التي انتهت عام 2022، سجّل «إنسايت» 1319 هزة مريخية، مؤكدا أن الكوكب الأحمر يشهد نشاطا زلزاليا بالفعل.

ولم تقتصر أهمية تلك التسجيلات على رصد الهزات، بل ساعدت العلماء أيضا على فهم البنية الداخلية للمريخ، بما فيها حجم النواة وتركيبها، وطبيعة الوشاح والقشرة، فضلا عن كيفية فقدان الكوكب للحرارة المتراكمة في باطنه وتطوره على مدى مليارات السنين.

إشارة غامضة

على الرغم من القيود التي واجهت جهاز «فايكنغ 2»، إلا أنه تم رصد إشارتين غير مألوفتين خلال اليومين المريخيين رقم 53 و80 من مهمته، وصُنّفتا في البداية باعتبارهما احتمالين لحدوث زلازل على الكوكب.

وفي دراسة حديثة، أعاد فريق بحثي تحليل الإشارتين بالاستعانة بالبيانات التي جمعها مسبار «إنسايت»، ووجد أن خصائص الموجات المسجلة تشبه إلى حد ملحوظ تلك الناتجة عن زلازل الأرض والمريخ، كما تختلف عن الأنماط المعروفة للضوضاء التي تسببها الرياح.

ورجّح الباحثون أن تكون الإشارة المسجلة في اليوم المريخي رقم 80 هي الأكثر احتمالا لتمثيل زلزال حقيقي.

ويعود ذلك جزئيا إلى توقيت حدوثها؛ إذ سُجلت في ساعات الصباح الباكر، بعد نحو 20 دقيقة من رصد المسبار سرعات منخفضة للرياح، ما يقلل احتمال أن تكون الإشارة ناتجة عن اضطرابات جوية.

كما كانت الإشارة أعلى بكثير من الضوضاء المعتادة التي تسببها رياح المريخ، حتى عند مقارنتها بالفترات التي تكون فيها الرياح أكثر نشاطا خلال ساعات بعد الظهر.

ومع ذلك، لم يتمكن الفريق من تحديد المصدر النهائي للإشارة بصورة قاطعة، إذ لا يزال من المحتمل أن تكون ناجمة عن اصطدام نيزك بسطح الكوكب، وليس عن زلزال.

هل يخفي المريخ منطقة نشطة زلزاليا؟

تشير نتائج الدراسة إلى أن الموقع المحتمل للحدث المسجل في اليوم المريخي رقم 80 يتداخل مع منطقة واسعة من السهول الشمالية للمريخ، وهي منطقة ارتبطت ببعض الهزات الموسمية التي رصدها مسبار «إنسايت»، وفقا لموقع "iflscience".

وقد يعني ذلك أن النشاط الزلزالي ربما استمر في هذه المنطقة لفترة طويلة، خارج منطقة «سيربيروس فوساي» التي ارتبطت بنشاط زلزالي رصده «إنسايت».

لكن الباحثين شددوا على أن هذا التفسير ليس نهائيا؛ إذ لا يمكن استبعاد احتمال وقوع زلزال تكتوني بعيد، أو اصطدام نيزكي أحدث الإشارة الغامضة، ونُشرت الدراسة في مجلة AGU Advances العلمية.

وإذا تأكد أن الإشارة كانت ناجمة عن زلزال مريخي، فستقدم دليلا مهما على تاريخ النشاط الزلزالي للكوكب الأحمر، وستمنح العلماء فرصة جديدة للاستفادة من تسجيلات تعود إلى بدايات استكشاف المريخ.