مليون بذرة إلى الفضاء.. ماذا حدث للجرجير بعد 6 أشهر؟

في عام 2015، أُرسلت نحو مليون بذرة من الجرجير بوزن إجمالي يقارب كيلوغرامين، إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة «سويوز»، ضمن مهمة رائد الفضاء البريطاني تيم بيك «برينسيبيا». وبقيت البذور في المحطة لنحو ستة أشهر، قبل أن تعود إلى الأرض في عام 2016، لتبدأ المرحلة الأهم من التجربة.

لم يكن الهدف من الرحلة مجرد إرسال بذور إلى الفضاء، بل اختبار قدرتها على البقاء صالحة للإنبات بعد تعرضها لظروف الرحلات الفضائية. ولهذا صُمم مشروع «Rocket Science» ليقارن بين البذور التي أمضت ستة أشهر في محطة الفضاء وتلك التي بقيت على الأرض من الدفعة نفسها.

وبعد عودة البذور، تحولت التجربة إلى واحدة من أكبر تجارب العلوم التشاركية في المدارس البريطانية. وشارك نحو 600 ألف طفل وشاب من أكثر من 8600 مدرسة ومجموعة في المملكة المتحدة، حيث حصل المشاركون على عبوتين من البذور، إحداهما تحتوي على بذور سافرت إلى الفضاء، والأخرى على بذور بقيت على الأرض. ولم يكن المشاركون يعرفون أي العبوتين جاءت من الفضاء، ما جعل التجربة أقرب إلى اختبار علمي أعمى.

وخلال التجربة، التي استمرت 35 يوماً، زرع الطلاب البذور جنباً إلى جنب، وراقبوا نموها وسجلوا مجموعة من القياسات والملاحظات. وشملت البيانات معدلات الإنبات، ونمو الشتلات وتطورها، ثم جُمعت النتائج من آلاف المدارس والمجموعات لإجراء مقارنة واسعة بين بذور الفضاء وبذور الأرض.

وأظهرت نتائج تجربة المدارس أن البذور التي قضت وقتاً في الفضاء نمت بشكل أقل قليلاً من نظيرتها التي بقيت على الأرض، مع استمرار قدرتها على الإنبات والنمو. وفي أحد مؤشرات التجربة، بلغ معدل بقاء البذور التي سافرت إلى الفضاء نحو 54% بعد اليوم الخامس والثلاثين، مقابل نحو 58% للبذور التي بقيت على الأرض.

ثم جاءت دراسة علمية أكثر تفصيلاً، نُشرت في مجلة Life، لفحص تأثير الرحلة الفضائية في البذور على مستوى الإنبات والشيخوخة وجودة البذور. ووجد الباحثون أن رحلة الفضاء التي استمرت ستة أشهر قللت من حيوية البذور مقارنة بالبذور التي بقيت على الأرض، وأشارت النتائج إلى أن ظروف الرحلة يمكن أن تسرّع بعض مظاهر شيخوخة البذور. ومع ذلك، بقيت البذور حية وقادرة على الإنبات والنمو بعد عودتها إلى الأرض.

ولم تكن الرحلة الفضائية مجرد اختبار لقدرة البذور على البقاء، إذ تعرضت خلال وجودها في محطة الفضاء لعوامل تختلف عن البيئة الأرضية، من بينها الإشعاع والاهتزازات المرتبطة بعملية الإطلاق والرحلة. وتشير وكالة الفضاء البريطانية إلى أن البذور تعرضت خلال إقامتها في المحطة لجرعة إشعاعية أعلى بكثير مما تتعرض له على الأرض، وهو أحد العوامل التي يدرسها الباحثون عند التفكير في تخزين البذور للرحلات الفضائية الطويلة.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع التفكير في الرحلات المستقبلية إلى القمر والمريخ، إذ لن يكون نقل الغذاء من الأرض حلاً عملياً لجميع المهمات طويلة الأمد. وقد يحتاج رواد الفضاء مستقبلاً إلى زراعة بعض محاصيلهم بأنفسهم، ما يجعل معرفة كيفية حفظ البذور ونقلها وحمايتها من الظروف القاسية ثم إنباتها بعد الرحلة جزءاً من تحديات الزراعة خارج الأرض.

كما قدم مشروع «Rocket Science» نموذجاً لافتاً للعلوم التشاركية، بعدما تحول مئات الآلاف من الأطفال إلى مشاركين في تجربة علمية حقيقية، بدلاً من أن تبقى الدراسة محصورة في المختبرات. وجمعت التجربة بيانات من آلاف المواقع، وأتاحت للباحثين اختبار سؤال بسيط في ظاهره لكنه يرتبط بمستقبل الاستكشاف البشري، هل يمكن لبذرة أن تسافر إلى الفضاء، ثم تعود إلى الأرض وهي لا تزال قادرة على بدء حياة نباتية جديدة؟

وعلى الرغم من احتفاظ البذور بقدرتها على الإنبات بعد ستة أشهر في الفضاء، فإن الرحلة تركت أثرها عليها؛ إذ نمت البذور الفضائية بوتيرة أبطأ مقارنة بتلك التي بقيت على الأرض.