لم يكمل عامه المليون.. ما سر هذا الكوكب «الرضيع»؟


في مكان يبعد نحو 450 سنة ضوئية عن الأرض، يرصد علماء الفلك عالمًا مختلفًا عن معظم الكواكب التي نعرفها؛ فهو لم يكمل عامه المليون بعد، ولا يزال في مرحلة مبكرة جدًا من حياته، بل تشير الأدلة إلى أنه يواصل النمو أمام أعين العلماء.

ويحمل هذا الكوكب اسم Elias 2-24 b، وهو كوكب خارج المجموعة الشمسية يدور حول نجم حديث التكوّن. وتُقدّر كتلته بما يتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف كتلة المشتري، بينما يقع على مسافة من نجمه تقارب ضعف المسافة التي تفصل نبتون عن الشمس.

لكن ما يجعل هذا الكوكب لافتًا ليس حجمه، بل عمره وحالته الحالية؛ إذ لا يزال يكتسب المواد من القرص الكوكبي الأولي المحيط بنجمه، وهي سحابة من الغاز والغبار وبقايا المواد التي خلّفتها عملية تشكّل النجم.

كوكب لا يزال في طور الولادة

ظهرت أولى الإشارات إلى وجود Elias 2-24 b عام 2017، عندما رصد العلماء فجوة صغيرة داخل القرص المحيط بالنجم، وتُعد هذه الفجوات من العلامات التي قد تكشف عن وجود كوكب يتشكل داخل القرص، إذ يمكن لجاذبية الكوكب أثناء نموه أن تجمع المواد المحيطة به وتزيل جزءًا منها من مساره، لكن في ذلك الوقت، لم يتمكن العلماء من رؤية الكوكب نفسه، وظلت الفجوة مجرد دليل غير مباشر على وجوده.

وفي الدراسة الجديدة، المنشورة في 16 سبتمبر 2026 في مجلة The Astrophysical Journal Letters، جمع فريق من الباحثين مشاهدات من ثلاثة مراصد متقدمة، مرصد كيك في هاواي، ومصفوفة أتاكاما المليمترية الكبيرة (ALMA) في تشيلي، والتلسكوب الكبير جدًا (VLT) التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي.

هذه المرة، تمكن الباحثون من تصوير Elias 2-24 b مباشرة وتأكيد وجوده، كما تمكنوا من تقدير عمره، ليتضح أنه على الأرجح أصغر من مليون عام.

أصغر كوكب من حيث العمر

هذا العمر يضع Elias 2-24 b في مرحلة نادرة جدًا من تاريخ الكواكب، فالكواكب الخارجية المعروفة التي رُصدت وهي في مراحل مبكرة من تكوّنها كانت أكبر سنًا بكثير. ومن بين الأمثلة كواكب تدور حول النجم PDS 70، ويبلغ عمرها نحو 5 ملايين عام.

وفي عام 2024، اكتشف العلماء TIDYE-1b، الذي يُعتقد أن عمره يقارب 3 ملايين عام، ثم رُصد في 2025 AB Aurigae b، الذي قد يصل عمره إلى نحو مليوني عام.

أما Elias 2-24 b، فيُعتقد أنه أصغر كوكب معروف حتى الآن من حيث العمر، وأصغر بما لا يقل عن الضعف من أي كوكب آخر رُصد في هذه المرحلة المبكرة.

وقال أندريا برناردي، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن أهمية الاكتشاف تكمن في أن الكوكب لا يزال يجمع المواد من محيطه، ما يمنح العلماء فرصة نادرة لدراسة مرحلة من تشكّل الكواكب يصعب رصدها مباشرة.

لماذا يصعب العثور على «الكواكب الرضيعة»؟

اكتشف علماء الفلك أكثر من 6 آلاف كوكب خارج المجموعة الشمسية، لكن معظمها عُثر عليه باستخدام طريقة تُعرف باسم طريقة العبور، حيث يمر الكوكب أمام نجمه من منظور الأرض، فيحجب جزءًا من ضوئه.

غير أن هذه الطريقة تصبح أكثر صعوبة عند البحث عن الكواكب حديثة الولادة.

والسبب أن الكوكب يكون محاطًا بقرص كثيف من الغاز والغبار، يمكن أن يحجب ضوء النجم ويجعل اكتشاف التغيرات الصغيرة في سطوعه أمرًا بالغ الصعوبة.

لذلك يحتاج العلماء إلى ظروف رصد مناسبة لرؤية الفجوات التي تتركها الكواكب داخل الأقراص الكوكبية، كما يجب التغلب على ضوء النجم الساطع الذي قد يطغى على الضوء القادم من الكوكب نفسه.

يرى الباحثون أن اكتشاف Elias 2-24 b يوفر فرصة مهمة لاختبار النماذج العلمية التي تشرح كيف تولد الكواكب وتنمو.

وقال لوكاس سييزا، عالم الفلك الذي قاد الدراسة التي كشفت الفجوة عام 2017، إن نماذج تشكل الكواكب الحالية تواجه بالفعل صعوبات في تفسير بعض الكواكب الصغيرة السن، وإن هذا الاكتشاف يشير إلى أن هناك عمليات مهمة في المراحل الأولى من تكوّن الكواكب لم تُفهم بالكامل بعد.

وقد تتوسع هذه النافذة خلال السنوات المقبلة مع بدء العمليات العلمية لتلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي التابع لناسا، والمصمم بقدرات متقدمة لحجب ضوء النجوم ودراسة الأجسام الموجودة حولها.