أكملت مركبة «كيوريوسيتي» التابع لوكالة ناسا 5000 يوم مريخي على سطح الكوكب الأحمر، في محطة تاريخية لمهمة بدأت عام 2012 وما زالت تواصل دراسة تضاريس المريخ وصخوره وغلافه الجوي، بحثًا عن أدلة تكشف كيف كان الكوكب في الماضي.
ومنذ هبوطها داخل فوهة غيل في 6 أغسطس 2012، قطع «كيوريوسيتي» رحلة طويلة بين طبقات صخرية وتكوينات جيولوجية مختلفة، وجمع بيانات ساعدت العلماء على إعادة بناء صورة أكثر وضوحًا عن البيئات القديمة على المريخ، ودور المياه في تشكيل سطحه.
رحلة بدأت بحثًا عن الحياة
عندما وصل «كيوريوسيتي» إلى المريخ، كان أحد أهدافه الرئيسية معرفة ما إذا كانت فوهة غيل قد احتوت في الماضي على ظروف بيئية يمكن أن تدعم الحياة الميكروبية.
وخلال آلاف الأيام المريخية، فحص المسبار الصخور والتربة والرواسب، وحلل مكوناتها، إلى جانب مراقبة الظروف الجوية والبيئية. وأسهمت هذه البيانات في إظهار أن أجزاء من فوهة غيل شهدت في الماضي نشاطًا مائيًا استمر لفترات طويلة.
كما كشفت الدراسات عن أدلة جيولوجية تشير إلى وجود بحيرات قديمة، وبيئات كانت تتوافر فيها مكونات كيميائية مرتبطة بإمكانية وجود ظروف ملائمة للحياة.
عندما كان المريخ أكثر رطوبة
لم يكن المريخ دائمًا العالم الجاف والقاحل الذي نراه اليوم. فقد كشفت مهمة «كيوريوسيتي» عن أدلة جيولوجية على أن فوهة غيل كانت تضم في الماضي بحيرات ومجاري مائية، وربما شهدت فترات طويلة من وجود المياه السائلة على سطحها.
وعثر المسبار على صخور ورواسب تشكلت أو تغيرت بفعل المياه، إلى جانب معادن ومواد كيميائية تشير إلى بيئات قديمة كانت أكثر رطوبة وملاءمة للحياة مما هي عليه الآن.
ومع صعود «كيوريوسيتي» جبل شارب داخل الفوهة، ظهرت أمام العلماء طبقات مختلفة من تاريخ الكوكب؛ بعضها يرتبط ببيئات بحيرية قديمة، بينما تشير طبقات أخرى إلى فترات أصبحت فيها الظروف أكثر جفافًا، مع ظهور رواسب رملية وتغيرات كيميائية في الصخور.
وهكذا تساعد الطبقات التي يفحصها المسبار في تتبع التحول التدريجي للمريخ من كوكب شهد مياهًا سائلة وبيئات مائية قديمة إلى عالم بارد وجاف كما نعرفه اليوم.
لكن هذه الأدلة لا تعني أن المريخ كان مغطى بالمياه أو أنه كان شبيهًا بالأرض تمامًا، كما أنها لا تثبت وجود حياة عليه. ما تكشفه بيانات «كيوريوسيتي» هو أن أجزاء من المريخ امتلكت في الماضي بيئات مائية استمرت بما يكفي لتترك آثارًا واضحة في الصخور، وبعضها توافرت فيه مكونات كيميائية يمكن أن تكون مناسبة للحياة الميكروبية، وفقا لـ "dailygalaxy".
جبل شارب.. صفحات من تاريخ المريخ
يواصل «كيوريوسيتي» استكشاف جبل شارب، الجبل الذي يرتفع من وسط فوهة غيل، حيث تسمح طبقاته الصخرية للمسبار بدراسة مراحل مختلفة من تاريخ المريخ.
وتحمل هذه الطبقات آثارًا للتغيرات البيئية التي مر بها الكوكب على مدى فترات زمنية هائلة، ما يمنح العلماء فرصة لدراسة كيفية تغير المناخ والظروف السطحية للمريخ عبر مليارات السنين.
ولا تقتصر المهمة على الماضي البعيد؛ إذ يواصل المسبار أيضًا رصد الظروف الحالية على سطح الكوكب، بما في ذلك التغيرات الموسمية والسلوك الجوي.
5000 يوم من الاستكشاف
جاء بلوغ حاجز 5000 سول في خضم عمليات علمية متواصلة. وفي الأيام المحيطة بهذا الإنجاز، واصل «كيوريوسيتي» تصوير المنطقة المحيطة به ودراسة الصخور والتضاريس باستخدام أجهزته العلمية.
وتُظهر صور التقطها المسبار في 28 أغسطس 2026 المنطقة المعروفة باسم Chocolatal ripple، وذلك في اليوم المريخي 4998 من مهمة مختبر علوم المريخ.
كل صورة وكل عينة وكل قراءة يرسلها «كيوريوسيتي» إلى الأرض تضيف قطعة جديدة إلى سجل طويل يساعد العلماء على فهم العمليات التي شكّلت المريخ، وكيف انتقل من بيئات شهدت المياه السائلة في ماضيه إلى الكوكب الجاف الذي نراه اليوم.
بعد 5000 يوم مريخي، لا يزال «كيوريوسيتي» يواصل عمله على سطح المريخ، بعد سنوات طويلة من الاستكشاف تجاوزت بكثير المدة الأولية التي صُممت المهمة للعمل خلالها.
وقد أصبحت البيانات التي جمعها المسبار سجلًا علميًا بالغ الأهمية لدراسة تاريخ المريخ، كما تساعد نتائجه في توجيه عمليات الاستكشاف المستقبلية وتطوير فهم أفضل للبيئات التي قد تكون ملائمة للحياة خارج الأرض. ويواصل «كيوريوسيتي» رحلته في فوهة غيل، ولا تزال طبقات المريخ الصخرية تخبئ الكثير من قصته.






