تظهر في أنحاء الكون ومضات راديوية شديدة القوة، لا تستمر سوى أجزاء من الثانية، لكنها قد تحمل معلومات تساعد العلماء على حل بعض أكبر ألغاز الكون، من طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة إلى كتلة جسيمات النيوترينو، المعروفة باسم «الجسيمات الشبحية».
وتُعرف هذه الظاهرة باسم الانفجارات الراديوية السريعة (FRBs)، وهي ومضات قصيرة وعنيفة من موجات الراديو يُعتقد أن بعضها ينشأ من نجوم ميتة سريعة الدوران، مثل النجوم المغناطيسية (Magnetars)، التي تمتلك أقوى المجالات المغناطيسية المعروفة في الكون.
لكن أهمية هذه الانفجارات لا تكمن فقط في مصدرها الغامض. فعندما تقطع موجاتها مليارات السنين الضوئية باتجاه الأرض، تمر عبر سحب من الغاز والغبار المنتشرة بين المجرات، فتتغير الإشارة التي تصل إلى التلسكوبات بطريقة تكشف بصمات المادة التي عبرتها.
ومن خلال تحليل هذه التغيرات، يستطيع العلماء رسم صورة أفضل لكيفية توزع المادة في الكون ومدى تجمعها أو تشتتها، وهو ما يمكن أن يساعدهم في دراسة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وكذلك تحديد كتلة النيوترينوات.
نحو 100 انفجار راديوي يكشف مفاجأة
حلل فريق من الباحثين بقيادة علماء من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) وجامعة أريزونا نحو 100 انفجار راديوي سريع، في دراسة هي الأولى من نوعها التي تستخدم هذه الظاهرة لقياس تأثير ما يُعرف بـ«التغذية الراجعة» للمجرات في تجمع المادة على نطاقات كونية واسعة.
وتشير النتائج إلى أن الطاقة التي تقذفها المجرات، بما في ذلك الطاقة المنبعثة من الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكزها، تؤثر في توزيع الغاز المحيط بها وتجعله أقل تكتلًا.
وتكمن أهمية هذه العملية في أنها قد تشبه، في بعض آثارها، التأثيرات التي يُتوقع أن تحدثها النيوترينوات الضخمة أو بعض النماذج المرتبطة بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة. ولذلك، فإن قياس هذا التأثير بشكل مستقل يساعد العلماء على عدم الخلط بين هذه الظواهر المختلفة.
وقال الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا فيكرام رافي إن الانفجارات الراديوية السريعة أصبحت أداة مهمة لدراسة توزيع المادة في الكون، ويمكن لبياناتها أن تعزز تجارب علم الكونيات التي تبحث في طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة وكتلة النيوترينوات.
لماذا هذه الإشارات مهمة؟
لا تمثل المادة العادية، التي تتكون منها النجوم والكواكب وكل ما نراه حولنا، سوى نحو 5% من محتوى الكون من المادة والطاقة. أما الباقي فيُعتقد أنه يتكون أساسًا من المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع النيوترينوات، وهي جسيمات تتفاعل مع المادة بشكل ضعيف للغاية، لدرجة أن أعدادًا هائلة منها تمر عبر أجسامنا باستمرار دون أن نشعر بها.
ولهذا يحاول العلماء استخدام كل وسيلة ممكنة لتتبع كيفية توزع المادة عبر الكون. وتوفر الانفجارات الراديوية السريعة فرصة فريدة لأنها تعمل، عمليًا، كإشارات كونية تحمل آثار البيئة التي مرت عبرها في رحلتها الطويلة إلى الأرض، وفقا لموقع "space".
البداية فقط
يرى الباحثون أن ما توصلوا إليه لا يمثل سوى بداية استخدام الانفجارات الراديوية السريعة كأداة في علم الكونيات. فقد تمكن الفريق من استخراج معلومات مهمة من عينة تضم نحو 100 انفجار فقط.
ومن المتوقع أن تتوسع هذه الإمكانات بشكل كبير مع بدء تشغيل مصفوفة التلسكوبات الراديوية Deep Synoptic Array في نيفادا عام 2029، والتي يُتوقع أن ترصد عشرات الآلاف من الانفجارات الراديوية السريعة.
ومع تزايد عدد هذه الإشارات المرصودة، يأمل العلماء في بناء خريطة أكثر دقة للمادة المنتشرة بين المجرات، بما قد يساعد على فصل تأثيرات المادة المظلمة والطاقة المظلمة والنيوترينوات عن تأثيرات العمليات التي تحدث داخل المجرات نفسها، وقد نُشرت الدراسة في مجلة «Nature Astronomy».

