لغز البرق الهائل على المشتري.. طاقة مرعبة في سماء عملاق الغاز

تتخفى في أعماق الغلاف الجوي لكوكب كوكب المشتري ظاهرة مدهشة تتجاوز كل ما نعرفه عن الطقس على الأرض. فهناك، حيث تمتد عواصف هائلة عبر مئات الكيلومترات، يندلع برق بطاقة تفوق أقوى الصواعق الأرضية، كاشفاً عن ظواهر فيزيائية قاسية تتحدى ما كان يعتقده العلماء عن كيفية عمل البرق.

وكشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة AGU Advances أن البرق داخل العواصف الهائلة لكوكب المشتري يحمل طاقات مرعبة تفوق أي شيء مسجل على الأرض، مما يفتح نافذة جديدة على كيفية تصرف الطقس على عملاق الغاز كوكب المشتري .

لعقود، رصد العلماء ومضات على كوكب المشتري ، إلا أن شدة هذه الظواهر ظلت غير مؤكدة. يُغير البحث الأخير هذا الواقع من خلال الجمع بين قياسات دقيقة من المركبات الفضائية وتحليلات متقدمة، مما يسمح للباحثين بتقدير قوة البرق على كوكب المشتري بشكل مباشر.

تشير هذه النتائج إلى أن العواصف على هذا الكوكب الغازي العملاق ليست أكبر حجماً فحسب، بل تختلف اختلافاً جوهرياً في كيفية توليدها وإطلاقها للطاقة.

وأكد مايكل وونغ، الباحث الرئيسي في الدراسة وعالم الكواكب في مختبر علوم الفضاء بجامعة كاليفورنيا في بيركلي ، على حجم المجهول الذي لا يزال قائماً حتى فيما يتعلق بالبرق على كوكبنا. وقال: "لا يزال هناك الكثير مما نجهله عن البرق على الأرض". هذا الغموض يجعل كوكب المشتري هدفاً أكثر جاذبية، إذ يوفر غلافه الجوي مختبراً طبيعياً لدراسة العواصف الرعدية في ظل ظروف قاسية. ومن خلال عزل أحداث البرق المحددة وقياس طاقتها، حقق الفريق مستوىً غير مسبوق من الدقة.

وأوضح وونغ قائلاً: "بفضل تحديد الموقع بدقة، تمكّنا من القول ببساطة: حسنا، نحن نعرف مكانها. نقيس الطاقة مباشرةً". يُمثّل هذا النهج تحولًا من التقديرات غير المباشرة إلى الملاحظة المباشرة، مما يُحسّن الصورة العلمية لسلوك هذه العواصف.

لماذا تكون عواصف كوكب المشتري أكثر شدة؟

يُعدّ حجم عواصف كوكب المشتري أحد أبرز الاختلافات مقارنةً بالأرض. فبينما ترتفع أنظمة العواصف الأرضية عادةً إلى حوالي 10 كيلومترات في الغلاف الجوي، قد تمتد عواصف المشتري إلى ما يزيد على 100 كيلومتر. ويلعب هذا الامتداد الرأسي دورا رئيسيا في كيفية تراكم الشحنات الكهربائية وتفريغها.

وقال وونغ "هنا تبدأ التفاصيل في أن تصبح مثيرة للاهتمام، حيث يمكنك أن تسأل، 'هل يمكن أن يكون الاختلاف الرئيسي هو وجود غلاف جوي من الهيدروجين مقابل النيتروجين، أو هل يمكن أن تكون العواصف أطول على كوكب المشتري وبالتالي هناك مسافات أكبر؟'".

ويختلف تركيب الغلاف الجوي لكوكب كوكب المشتري بشكل جذري عن الغلاف الجوي للأرض؛ إذ يهيمن عليه الهيدروجين، في مقابل هواء أرضي غني بالنيتروجين. هذا الاختلاف لا يقتصر على التركيب الكيميائي فحسب، بل ينعكس أيضاً على آليات تشكّل البرق وانتشاره. ففي بيئة كهذه، تتصرف الشحنات الكهربائية بطرق مختلفة، ما قد يغيّر طبيعة التفريغ الكهربائي ومساراته داخل العواصف.

وتؤدي ضخامة الأنظمة العاصفة على المشتري إلى نشوء مسارات أطول بكثير للتفريغ الكهربائي، مقارنةً بما يحدث على الأرض. هذا الامتداد الكبير يمنح الشحنات وقتاً ومسافة أكبر للتراكم، ما يسمح بوصول الطاقة إلى مستويات أعلى قبل أن تُطلق على شكل ومضات برق هائلة. ونتيجة لذلك، لا يكون البرق هناك أكبر حجماً فقط، بل قد يخضع أيضاً لعمليات فيزيائية مختلفة تماماً عمّا نعرفه في غلافنا الجوي.

ويبرز عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في كيفية نشوء العواصف نفسها. فعلى الأرض، يتكوّن البرق داخل السحب نتيجة فروق حرارية محدودة نسبياً، بينما على المشتري ترتبط العملية بما يُعرف بالحمل الحراري الرطب داخل غلاف جوي عميق وكثيف، قادر على تخزين كميات ضخمة من الطاقة. هذا يعني أن العواصف لا تتشكل بسرعة، بل تتطلب تراكم قدر كبير من الحرارة قبل أن تبلغ مرحلة التفريغ.

وفي هذا السياق، يشير الباحث مايكل وونغ إلى أن توفر طاقة أكبر قد يكون عاملاً حاسماً، إذ إن العواصف على المشتري تحتاج إلى بناء حراري أعظم قبل أن تُنتج البرق، وهو ما يجعلها أكثر عنفاً وتعقيداً. ويعكس ذلك أن هذه العواصف، حتى قبل أن تومض، تختزن طاقة تفوق بكثير نظيراتها الأرضية، ثم تُطلقها دفعة واحدة في ومضات قوية تتجاوز البرق الأرضي من حيث الحجم والشدة.

ورغم هذه النتائج المتقدمة، تؤكد الدراسة المنشورة في AGU Advances أن كثيراً من هذه الآليات لا يزال غير مفهوم بشكل كامل، ما يجعل عواصف المشتري مجالاً مفتوحاً للبحث العلمي، وفرصة لفهم أعمق لفيزياء الطقس في البيئات الكوكبية القاسية.