من التفاحة إلى المجرات.. قانون نيوتن بعد 300 عام يجتاز أعظم اختبار كوني

في دراسة علمية جديدة تُعد من أهم الاختبارات الكونية لقوانين الجاذبية، أظهر فريق من جامعة بنسلفانيا بقيادة عالم الكونيات باتريسيو أ. غالاردو أن قوانين نيوتن وأينشتاين للجاذبية ما تزال تصمد بقوة حتى على أضخم المقاييس في الكون، وذلك بعد تحليل حركة عناقيد المجرات على مسافات تصل إلى مئات الملايين من السنين الضوئية.

الجاذبية، التي تبدو في حياتنا اليومية بسيطة مثل سقوط تفاحة نحو الأرض، تتحول في الفضاء الكوني إلى قوة تتحكم في تشكيل المجرات وحركة عناقيدها وبنية الكون ككل.

لكن العلماء لاحظوا منذ عقود وجود "مشكلة" في الحسابات الكونية وهي أن المجرات تتحرك بسرعات أكبر مما تسمح به كمية المادة المرئية فيها، هذا التناقض دفع العلماء إلى احتمالين رئيسيين، إما وجود مادة غير مرئية تُسمى "المادة المظلمة" تؤثر بجاذبية إضافية، أو أن قوانين الجاذبية نفسها تحتاج إلى تعديل على المقاييس الكونية الكبيرة وفق scitechdaily.

الدراسة الجديدة استخدمت بيانات من تلسكوب أتاكاما لعلم الكونيات في تشيلي، وهو جهاز ضخم يقيس أقدم ضوء في الكون المعروف باسم الخلفية الكونية الميكروية، وهي الإشعاع المتبقي من لحظات ما بعد الانفجار العظيم، عندما يمر هذا الضوء عبر عناقيد المجرات الضخمة، يتعرض لتغيرات دقيقة في مساره بسبب حركة هذه العناقيد وتأثير جاذبيتها، مما يسمح للعلماء بقياس سرعة حركة هذه التجمعات الهائلة بدقة عالية.

من خلال تحليل مئات الآلاف من عناقيد المجرات المنتشرة عبر مسافات شاسعة، تمكن الباحثون من اختبار كيفية عمل الجاذبية على أكبر البنى في الكون. النتائج كانت حاسمة: الجاذبية تتصرف تماماً كما تنبأت بها قوانين نيوتن التي تنص على أن قوة الجاذبية تتناقص مع مربع المسافة، وهي نفس الفكرة التي دمجها أينشتاين لاحقاً في نظريته للنسبية العامة.

هذا الاكتشاف يُعد من أقوى الأدلة حتى الآن على صحة النموذج الكوني القياسي، ويضعف بشكل كبير النظريات البديلة مثل"ديناميكيات نيوتن المعدلة" (MOND) التي تفترض أن الجاذبية نفسها تتغير على المقاييس الكبيرة، بدلاً من ذلك، تشير النتائج إلى أن المشكلة ليست في قوانين الجاذبية، بل في وجود مادة غير مرئية تؤثر على حركة المجرات.

كما أكدت الدراسة أن ما يسمى "مشكلة الكتلة المفقودة" في الكون لا يمكن تفسيرها بتعديل قوانين الجاذبية، بل تدعم بقوة فكرة وجود المادة المظلمة، وهي مادة غير مرئية لا تصدر ضوءاً ولا يمكن رصدها مباشرة، لكنها تظهر من خلال تأثيرها الجاذبي على الأجسام الكونية.

ومع ذلك، لا يزال لغز المادة المظلمة قائماً، إذ لا يعرف العلماء حتى الآن طبيعتها أو مكوناتها، ويؤكد الباحثون أن المستقبل سيشهد تجارب أكثر دقة باستخدام تلسكوبات جديدة ومسوح فلكية أوسع قد تساعد في كشف هذه المادة الغامضة.

تشير الدراسة إلى أن الجاذبية، رغم بساطتها الظاهرية، ما تزال واحدة من أعقد وأهم القوى في الفيزياء، وأن فهمها الكامل قد يكون المفتاح لفك أسرار الكون العميقة.