في مشهد يحبس أنفاس العالم، يرتفع صاروخ نظام الإطلاق الفضائي (SLS) شامخاً على منصة الإطلاق "39B" التاريخية، شاهداً على عودة الطموح البشري لغزو أعماق الفضاء.
هذا الصاروخ الذي يوازي ارتفاعه مبنى مكوناً من 32 طابقاً (نحو 98 متراً)، يمثل ذروة الهندسة البشرية في القرن الحادي والعشرين، والعمود الفقري لمهمة "أرتيميس 2" التي تهدف لإرسال أول طاقم بشري إلى مدار القمر منذ رحلة "أبولو 17" في ديسمبر 1972.
الدراما التقنية التي تتصدر العناوين اليوم ليست في مجرد الإقلاع، بل في "كيمياء الوقود"،يحتاج هذا العملاق لضخ 2.6 مليون لتر من الهيدروجين السائل والأكسجين المبرد لدرجات حرارة تصل إلى 253- درجة مئوية تحت الصفر. الهيدروجين، بأصغر جزيء في الكون، أثبت أنه "العدو اللدود" لمهندسي ناسا؛ حيث تسببت تسريبات مجهرية في إلغاء محاولات إطلاق سابقة في صيف 2024 وربيع 2025.
التوثيقات الحالية تؤكد أن الفريق الهندسي استخدم تقنية "الختم اللدن" الجديدة (Quick Disconnect) لضمان عدم تكرار كارثة التسرب، وهو ما أثبت نجاحه بحلول منتصف صباح اليوم الأربعاء، حيث لم يُرصد أي انخفاض في ضغط الخزانات.
تاريخياً، كان صاروخ "ساترن 5" (Saturn V) هو الملك غير المتوج للفضاء، لكن التوثيقات التقنية لصاروخ (SLS) تظهر تفوقاً كاسحاً؛ فهو يولد قوة دفع تبلغ 3.9 مليون كيلوغرام عند الإقلاع، وهي قوة تفوق "ساترن 5" بنسبة 15%. هذه القوة الهائلة ضرورية ليس فقط للوصول للقمر، بل لدفع كبسولة "أوريون" (Orion) التي تحمل الطاقم، والتي صُممت لتكون أمتن بـ 10 مرات من كبسولات "أبولو" في مواجهة الإشعاعات الكونية القاتلة في منطقة "حزام فان آلن".
طاقم "أرتيميس 2" المكون من القائد ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر (أول رائد فضاء أسود في مهمة قمرية)، وكريستينا كوك (حاملة الرقم القياسي لأطول رحلة فضائية للمرأة)، والكندي جيريمي هانسن، ليسوا في رحلة استعراضية. التوثيقات تشير إلى أنهم سيتبعون مساراً يُعرف بـ "المسار الحر" (Free Return Trajectory)، حيث سيصلون إلى نقطة تبعد عن الأرض أكثر من 400,000 كيلومتر. هذا يعني أنهم سيحطمون الرقم القياسي المسجل باسم مهمة "أبولو 13" عام 1970، ليصبحوا أبعد بشر عن كوكبهم في تاريخ الحضارة.
يكمن الفرق الجوهري بين "أبولو" و"أرتيميس" في الرؤية الاستراتيجية. فبينما كان برنامج "أبولو" مدفوعاً بـ "الحرب الباردة" لإثبات التفوق الأيديولوجي، تُعد "أرتيميس" حجر الأساس لـ "الاقتصاد القمري". التوثيقات الرسمية لناسا توضح أن هذه الرحلة تمهد الطريق لبناء محطة "Gateway" المدارية، وهي أول محطة فضاء تدور حول القمر، لتكون نقطة انطلاق نحو المريخ في العقد القادم. إنها قفزة تقنية تجعل من القمر "قارة ثامنة" للأرض، غنية بالمواد الخام مثل "الهيليوم-3" والجليد المائي المكتشف في القطب الجنوبي للقمر.
مع بدء العد التنازلي، عندما تشتعل المحركات الأربعة (RS-25) وتنفث نيرانها في سماء فلوريدا، لن يكون الأمر مجرد استعادة لمجد قديم، بل هو تدشين لعصر "الإنسان متعدد الكواكب". إن "قفزة الـ 50 عاماً" هي في الحقيقة اختصار لمسافات ضوئية من التطور الرقمي؛ فالحاسوب الذي يقود "أوريون" اليوم يمتلك قدرة معالجة تفوق حواسيب "أبولو" بـ مليون مرة. نحن لا نعود للقمر لأننا نستطيع، بل نعود لأننا لم نعد نطيق البقاء سجناء لجاذبية الأرض.
