في اكتشاف علمي لافت، رصد علماء وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» كوكبًا صخريًا قريبًا من الأرض بحجم يكاد يُشبه كوكبنا، لكنه يعيش في بيئة قاسية تحت إشعاع مكثف من نجم قزم أحمر. هذا العالم الغامض، الذي يدور بسرعة مذهلة حول نجمه، يفتح نافذة جديدة لفهم كيفية تشكّل الكواكب وتطور أغلفتها الجوية في ظروف متطرفة، ما يجعله هدفًا مثاليًا لأحدث أدوات الرصد الفضائي ودراسات البحث عن الحياة خارج الأرض.
وكشف القمر الصناعي «تيس» التابع لناسا، والمتخصص في مسح الكواكب الخارجية العابرة، عن الكوكب TOI-4616 b، وهو كوكب بحجم الأرض يدور حول نجم قزم أحمر قريب. ونُشرت نتائج هذه الدراسة في مارس، مشيرةً إلى وجود عالم صخري يقع على بُعد 91.8 سنة ضوئية فقط من الأرض، ما يتيح فرصة نادرة لدراسة كوكب أرضي في نظام نجمي قريب.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة في تحديد الكواكب الشبيهة بالأرض حول النجوم، والتي لا تُعد شائعة فحسب، بل تُعتبر أيضًا من أبرز المرشحين لأبحاث الغلاف الجوي مستقبلًا.
ولا يُعد الكوكب الخارجي TOI-4616 b اكتشافاً عادياً؛ إذ يدور حول النجم القزم الأحمر متوسط اللون TOI-4616، وهو قريب في حجمه من الأرض، حيث يبلغ نصف قطره نحو 1.22 ضعف نصف قطر الأرض، وتُقدّر كتلته بين 1.5 و3 أضعاف كتلة الأرض.
ويتميّز الكوكب بفترة مدارية قصيرة للغاية تبلغ نحو 1.5 يوم فقط، ما يعني أنه يُكمل دورة كاملة حول نجمه في أقل من يومين أرضيين. وتصل درجة حرارة توازنه إلى نحو 525 كلفن (حوالي 252 درجة مئوية)، ما يضعه في بيئة ذات مستويات إشعاع عالية للغاية، وهي ظروف تتيح فهمًا فريدًا لطبيعة الكواكب القريبة من نجومها.
ويؤكد الباحثون أن الجمع بين دقة المعايير النجمية، وقياسات العبور متعددة النطاقات، وسطوع النجم المضيف، يجعل من نظام TOI-4616 نموذجًا ذا قيمة كبيرة للدراسات الجوية والديناميكية المستقبلية.
وبذلك لا يُعد TOI-4616 b مجرد اكتشاف جديد، بل يمثل حالة اختبار مهمة لنماذج هروب الغلاف الجوي، والاحتفاظ بالمواد المتطايرة، وكذلك فهم التكوين الداخلي للكواكب المعرضة لإشعاع نجمي مكثف.
لماذا تُعد النجوم القزمة الحمراء مهمة؟
تُعد النجوم القزمة من النوع M، مثل TOI-4616، أصغر حجمًا وأبرد من شمسنا، وهي من أكثر أنواع النجوم وفرة في مجرتنا. وتحظى باهتمام كبير من علماء الفلك، لأن صغر حجمها وانخفاض لمعانها يسهّلان اكتشاف الكواكب الصغيرة، خاصة تلك الشبيهة بالأرض.
كما تنتشر الكواكب الصخرية بكثرة حول هذه النجوم، وتوفر ظروفًا مناسبة لدراسة الأغلفة الجوية للكواكب العابرة. وتشكل هذه النجوم نحو 70% من نجوم مجرتنا، ما يجعلها بيئة واعدة لاكتشاف عوالم جديدة.
ورغم ذلك، فإن الكواكب التي تدور حولها غالبًا ما تتعرض لإشعاع قوي، ما يجعلها مختبرًا طبيعيًا لدراسة تطور الأغلفة الجوية واستجابتها للنشاط النجمي المكثف.
فرصة ذهبية للدراسة المستقبلية
يمنح قرب الكوكب TOI-4616 b من الأرض، إلى جانب خصائص نجمه المحددة بدقة، فرصة ذهبية لإجراء دراسات مقارنة للكواكب. ويرى الباحثون أنه يمثل نموذجًا مثاليًا لفهم تطور الكواكب في بيئات عالية الإشعاع.
كما يقع الكوكب في موقع وسيط بين الكواكب الأرضية التي تدور حول الأقزام الحمراء المبكرة وتلك التي تدور حول النجوم فائقة البرودة، ما يوفر نقطة رصد فريدة للعلماء.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الكوكب قد يصبح معيارًا مهمًا لفهم بنية الكواكب وتطورها تحت تأثير الإشعاع الشديد، خاصة في إطار البحث عن إمكانية وجود حياة خارج الأرض.
ومع استمرار عمليات الرصد، يُؤمل أن يُسهم تلسكوب جيمس ويب الفضائي في تحليل الغلاف الجوي للكوكب، ما قد يكشف تفاصيل مهمة حول تركيبه ومناخه.
أهمية الاكتشاف لعلوم الغلاف الجوي
لا تقتصر أهمية TOI-4616 b على خصائصه الفريدة فحسب، بل تمتد لتشمل دوره في تعزيز فهمنا لسلوك الأغلفة الجوية في البيئات القاسية. وتشير التقديرات إلى احتمال امتلاكه غلافًا جويًا ثانويًا، قد يكون تشكّل بعد فقدان الغلاف الأصلي المكوّن من الهيدروجين والهيليوم.
وقد يساعد ذلك العلماء في دراسة عمليات هروب الغلاف الجوي، وآليات احتفاظ الكواكب بالمواد المتطايرة تحت تأثير الإشعاع الشديد.
ويؤكد الباحثون أن هذا الكوكب يمثل حالة اختبارية مثالية للنماذج الجوية، بفضل دقة بياناته وتنوعها، ما يجعله هدفًا رئيسيًا للدراسات الفلكية المستقبلية.
