في خطوة قد تعيد تعريف سماء الأرض كما نعرفها، يخطط إيلون ماسك لإطلاق ما يصل إلى مليون قمر صناعي ضمن مشروع ستارلينك. هذا العدد الهائل ليس مجرد إنجاز تكنولوجي، بل يحمل في طياته تحديات بيئية وعلمية غير مسبوقة. من التلوث الضوئي الذي يهدد الظلام الطبيعي للكرة الأرضية، إلى المخاطر المتصاعدة للحطام الفضائي، يواجه الفضاء اليوم احتمال تحول سمائنا إلى ساحة فوضى قابلة للتصادم. بينما يركز ماسك على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في المدار، يحذر الخبراء من أن هذا المشروع قد يغير قواعد اللعبة للأبد، ليس فقط في المدار الأرضي، بل في كيفية إدارتنا واستدامتنا للفضاء المشترك فوق رؤوسنا.
ويرغب الملياردير الأمريكي إيلون ماسك في إطلاق ما يصل إلى مليون قمر صناعي إلى الفضاء، وهو مشروع غير مسبوق حاليا، فيما تطلب لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) آراء الجمهور حول هذا الاقتراح. حتى الآن، لم يتضح ما إذا كان تنفيذ هذا المشروع ممكنا، لكنه يثير مخاوف كبيرة تتعلق بالفضاء، وعلم الفلك، وصحة الإنسان.
الفضاء الخارجي ليس منظما بشكل كامل كما يعتقد كثيرون. فمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تنظم أنشطة الدول فقط، بينما اليوم تُحرّك التغييرات الكبرى في الفضاء شركات خاصة. في الولايات المتحدة، تتولى لجنة الاتصالات الفيدرالية منح التراخيص لإطلاق وتشغيل الأقمار الصناعية، وتدرس حاليا مشروعين قد يغيران سماء الليل بشكل جذري: أحدهما يتعلق باستخدام مرايا في الفضاء لعكس ضوء الشمس، والآخر هو طلب سبيس إكس لإنشاء كوكبة ضخمة من مليون قمر صناعي.
إطلاق هذا العدد الهائل من الأقمار الصناعية سيؤثر بشكل كبير على الظلام الطبيعي لكوكب الأرض. فالتلوث الضوئي ازداد في السنوات الأخيرة نتيجة لمصابيح LED وكثافة الأقمار الصناعية، مما يؤثر على النباتات والحيوانات، ويرتبط أيضًا بمشكلات صحية لدى البشر، مثل الزهايمر.
كما أن الأقمار الصناعية تؤثر على علم الفلك؛ فقد شوّهت آثارها الضوئية صور المراصد الأرضية، وحتى التلسكوبات الفضائية ليست بمنأى عن ذلك. حاليًا، يوجد أكثر من 18 ألف قمر صناعي في المدار، والعدد يتزايد يوميا، مما يزيد من مخاطر اصطدام الأقمار بعضها ببعض، ويعزز احتمال حدوث ما يُعرف بـ متلازمة كيسلر، حيث يؤدي اصطدام واحد إلى تكوين حطام يسبب سلسلة تصادمات متتالية قد تجعل بعض مناطق الفضاء غير صالحة للاستخدام.
في النصف الأول من عام 2025، قامت أقمار ستارلينك الصناعية بحوالي 144,404 مناورة لتجنب الاصطدامات، وكان كل قمر يقوم بعشرات التغييرات المدارية. ومع الزيادة الكبيرة في عدد الأقمار الصناعية المخطط لها من سبيس إكس، ستتضاعف هذه الأرقام بشكل هائل.
يؤكد الدكتور جون سي. بارنتين، المؤسس المشارك لمركز حماية البيئة الفضائية، أن اقتراح ماسك يمثل "قضية مختلفة تمامًا عن كل ما واجهناه في قصة الأنشطة التجارية المتزايدة بسرعة في الفضاء"، ويشكل تهديدًا خطيرًا لاستدامة الفضاء.
وفقًا لماسك، الهدف من المشروع هو إنشاء مركز بيانات فضائي لتلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي، حيث سيحلل النظام المعروف باسم "جروك" البيانات في المدار مباشرة، ما يقلل من حجم البيانات المرسلة إلى الأرض ويوفر الموارد. ومع ذلك، هناك تحديات بيئية جسيمة، إذ أن إطلاق هذا العدد الكبير من الأقمار سيزيد انبعاثات الكربون الأسود وبخار الماء والمواد الأخرى، كما سيؤدي احتراق الأقمار في الغلاف الجوي إلى تأثيرات غير محسوبة.
تدعو منظمة دارك سكاي إنترناشونال الجمهور لتقديم تعليقاتهم إلى FCC، مشددة على أهمية إجراء مراجعة بيئية شاملة قبل الموافقة على المشروع، حيث يمكن للجمهور أن يكون له تأثير فعّال في حماية السماء، علم الفلك، واستدامة الفضاء.
على الرغم من أن رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية الحالي، بريندان كار، يُعتبر حليفًا لماسك، فإن آراء الجمهور تمثل الوسيلة الأكثر مباشرة للتأثير على القرارات التنظيمية المتعلقة بالفضاء. وقد تصبح هذه التعليقات جزءًا من السجل العام الذي قد يُستخدم في أي دعاوى قضائية مستقبلية، وفقا لموقع"iflscience.".
مع تزايد الدعوات لتحديث معاهدة الفضاء الخارجي وتنظيم الإطلاقات الفضائية، يُذكرنا هذا المشروع بأن قرارات دولة أو شركة واحدة، أو حتى شخص واحد، قد تؤثر على الجميع في هذا الفضاء المشترك فوق رؤوسنا.
