هل حصنت ثقافة "الشنتو" اليابانيين من فوبيا الروبوتات؟

تكتسح اليابان آفاق المستقبل بروحانية عريقة ترتكز فيها العلاقة مع التكنولوجيا على أسس من الانسجام والتناغم، مسطرةً نموذجاً استثنائياً يتجاوز حدود الهواجس التقليدية.

ولا يقتصر هذا الاختلاف الجذري على مجرد تباين في السياسات التقنية، بل يغوص عميقاً في بنية الوعي الإنساني والفلسفي؛ فبينما تُدار الابتكارات في العالم الغربي بهاجس السيطرة والخوف من تمرد الخوارزميات، تتسع المدارك في بلاد الشمس المشرقة تحت مظلة عقائدية وتاريخية فريدة تنظر إلى الآلة لا كعدو متربص، بل كامتداد طبيعي للروح والوجود.

ففي معبد "كوداي-جي" العريق في كيوتو، الذي يعود تاريخه إلى 400 عام، لا يقف الأمر عند مجرد استكشاف حدود التكنولوجيا، بل يتجسد في رهان مالي وفلسفي ضخم؛ فقد كلف بناء نسخة روبوتية متطورة من "كانون"، أسطورة الرحمة في اليابان، ثروة طائلة بلغت نحو 909,090 دولاراً أمريكياً.

وبذلك، يسجل هذا المعبد التاريخي سابقة عالمية كأول صرح يدمج بين العالمين الروحي والععلمي لإنتاج إلهة روبوتية قادرة على إلقاء الخطب والتعاليم البوذية للزوار.

ويمكن للزوار هناك التجول في حدائق حجرية هادئة، والجلوس لتناول كوب هادئ من الشاي، وتلقي التعاليم من ذلك الكاهن الأندرويد الذي يُدعى "ميندار" (Mindar). يتميز بوجه هادئ ومظهر محايد، لا هو بكبير ولا صغير، ولا ذكر ولا أنثى.

وبغض النظر عن الجلد الواقعي الذي يغطي رأسه وجزعه العلوي، يبدو الروبوت غير مكتمل وصناعياً، مع أنابيب وآليات مكشوفة.

ورغم ذلك، يتمتع "ميندار" بعمق فلسفي كبير، حيث يلقي خطب مطولة حول نص بوذي معقد يُدعى "سوترا القلب".

تشتهر اليابان منذ فترة طويلة بكونها دولة تصنع الروبوتات البشرية وتتوطد علاقتها بها بحماس يفوق أي بلد آخر.

ورغم أن هذه السمعة غالباً ما مبالغ فيها في الخارج – فالمنازل والشركات اليابانية ليست مكتظة بالروبوتات البشرية كما توحي العناوين المهولة – إلا أن هناك حقيقة جوهرية خلف ذلك الانطباع.

الشغف بالروبوتات

يرى بعض المراقبين للمجتمع الياباني أن الديانة الأصلية للبلاد، وهي "الشنتوية"، تفسر هذا الشغف بالروبوتات.

فالشنتوية شكل من أشكال الإحيائية (الأرواحية) التي لا تنسب الأرواح، أو "الكامي"، للبشر فحسب، بل للحيوانات والمعالم الطبيعية كالجمال والجبال، وحتى الأشياء اليومية البسيطة مثل أقلام الرصاص.

يقول بونغن أوي، كبير الكهنة في معبد بوذي أقام مراسم عزاء لروبوتات الكلاب الرفيقة: "كل الأشياء تمتلك جزءاً من الروح".

وفقاً لهذا المنظور، لا يوجد تمييز قطعي بين البشر والحيوانات والأشياء، لذا لا يبدو غريباً أن يُظهر روبوت سلوكيات شبيهة بالبشر، فهو ببساطة يُظهر نوعه الخاص من الأرواح أو "الكامي".

يقول كوهي أوغاوا، المصمم الرئيسي لروبوت "ميندار": "يمكننا نحن اليابانيين دائماً رؤية إله يكمن داخل الشيء".

تتعارض هذه الإحيائية اليابانية بوضوح مع التقاليد الفلسفية الغربية. فقد كان الإغريق القدماء إحيائيين بمعنى أنهم رأوا أرواحاً في الأماكن الطبيعية كالجداول المائية، لكنهم اعتبروا الروح والعقل البشري منفصلين تماماً ومتعاليين عن بقية الطبيعة.

العبث بالطبيعة

وفقاً للرؤية الغربية التقليدية، فإن الآلة التي تتصرف كالإنسان تنتهك الحدود الطبيعية، وتدمج بطريقة خطيرة بين المقدّس والدنس.

ويبرز هذا التحذير الأخلاقي بوضوح في الأساطير الحديثة حول التكنولوجيا، مثل قصة "فرانكنشتاين" التي تستمد الكثير من رسالتها الأخلاقية من الديانات السماوية ، كما يقول كريستوفر سيمونز، أستاذ الثقافة المقارنة في جامعة المسيح الدولية بطوكيو.

ويضيف: "يخلق الدكتور فرانكنشتاين حياة أخرى في المسخ. وهو ما يشبه أكل البشر من شجرة المعرفة في جنة عدن.

تلك هي الخطيئة الأصلية، ونتيجة لذلك نعاقب". وعند النهاية المأساوية للقصة، بموت كل من الدكتور فرانكنشتاين ومسخه، تصبح الدرس واضحة، كما يوضح سيمونز: "احذروا أيها البشر، لا تقمصوا دور الإله".

أما مسرحية "آر.يو.آر" التشيكية الصادرة عام 1920، والتي قدمت كلمة "روبوت" للعالم، فتمتلئ بالسمات الدينية: شخصية تخلق روبوتات لتثبت أنه لا يوجد إله، وأخرى تجادل بأن الروبوتات يجب أن تمتلك روحاً، وروبوتان يقعان في الحب ويُعاد تسميتهما بـ "آدم" و"حواء". وفي نهاية القصة، تقتل الروبوتات كل البشر باستثناء إنسان واحد.

محرّك الصناعة

يرى بعض الباحثين أن جذور النظرة الإيجابية لليابان تجاه التكنولوجيا، والروبوتات خصوصاً، تعود لأسباب اجتماعية واقتصادية وتاريخية بحتة وليست دينية أو فلسفية. ففي السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، اتجهت اليابان نحو التقنيات الحديثة ليس فقط لإعادة بناء اقتصادها بل لإنعاش صورتها الذاتية أمام العالم.

يقول مارتن راثمان، باحث الشؤون اليابانية في جامعة سيغن بألمانيا: "لعبت الروبوتات الصناعية دوراً رئيسياً في الانتعاش الاقتصادي لليابان خلال الستينيات. وبدلاً من تخفيف سياسات الهجرة الصارمة لمواجهة نقص العمالة، أدخلوا الأتمتة الشاملة من خلال الروبوتات".

وبعد أتمتة خطوط الإنتاج الخاصة بها، وتعزيز الكفاءة ومعدلات الإنتاج، أصبحت اليابان مصدراً رئيسياً للروبوتات الصناعية إلى الدول الأخرى.

عندما انتقل بعض المهندسين من صنع الروبوتات الصناعية الوظيفية إلى الروبوتات البشرية التي تتفاعل مع الناس، تلونت تلك التصورات حتماً بالخلفية التاريخية الخاصة لليابان.

الدمى الميكانيكية

ففي عام 1649، حظر الحكام العسكريون لليابان استخدام التكنولوجيا لتطوير أسلحة جديدة، بهدف منع ظهور منافسين جدد، بحسب أبحاث أجرتها كوسيما فاغنر، الباحثة في جامعة برلين الحرة.

لذلك، ركّز الحرفيون على ابتكارات أكثر براءة، مثل الدمى الميكانيكية التي تقدم عروضاً مسرحية أو تقدم الشاي الحقيقي في فناجين حقيقية.

وعندما انفتحت اليابان أخيرًا على الاتصال الخارجي بعد أكثر من قرنين، قاد هؤلاء المهرة في صناعة الألعاب جهود تكييف التكنولوجيا الغربية لاستخدامات أكثر عملية.

وفي عام 1875، على سبيل المثال، بدأ صانع الدمى تاناكا هيشاشيج تأسيس شركة "تاناكا سيساكاكو" (أعمال تاناكا الهندسية)، وهي أول شركة هندسة ميكانيكية في اليابان؛ وبعد 64 عاماً، وبعد اندماج رئيسي، أصبحت تُعرف بالاسم الأكثر شهرة "توشيبا".

الوادي المخيف

على الرغم من أن الروبوتات البدائية تراجعت عن الواجهة خلال التحديث السريع لليابان في القرن العشرين، إلا أن فكرة الكائنات الميكانيكية كأدوات ترفيهية ربما ظلت راسخة في الوعي الجمعي الوطني.

وحين بدأ ماساهيرو موري، الباحث ومفكر الروبوتات الشهير الذي صاغ مصطلح "الوادي المخيف"، أبحاثه حول الروبوتات في سبعينيات القرن العشرين، واجه صعوبة بالغة في أخذ أبحاثه على محمل الجد. فقد بدا مصطلح الوادي المخيف - الذي يشير إلى الشعور بعدم الراحة عند مواجهة كيانات شبيهة بالبشر - متعارضاً تماماً مع طبيعة علاقة اليابان بالروبوتات.

وقال في مقابلة مع مجلة (IEEE Spectrum): "في تلك الأيام، لم يكن الناس يعتقدون أن الجامعات يجب أن تجري أبحاثاً على الروبوتات، واعتبروا أن العمل على ’لعبة‘ هو أمر عبثي".

وكانت اليابان قد أُجبرت على تجريد نفسها من السلاح خلال الاحتلال الأمريكي، وبذلت الدولة ذات التوجه السلمي رسمياً جهوداً ضئيلة لاستخدام الروبوتات كأُعطيات عسكرية.

ساعدت هذه العوامل على غرس نظرة إيجابية عامة تجاه الروبوتات في اليابان ما بعد الحرب.

فقد قدمت الأتمتة الصناعية دفعة اقتصادية هائلة، وبدت الروبوتات البشرية مجرد فضول بريء.

وفي المقابل، اتخذ الغرب موقفاً أقل تفاؤلاً؛ فالولايات المتحدة، التي كانت منشغلة بالحرب الباردة، ضخت تمويلات طائلة في تقنيات الروبوتات للاستخدامات العسكرية، مما أضفى هالة تهديدية على هذا المجال.

كما أن عمال الغرب طالما نظروا إلى الأتمتة باعتبارها وسيلة تسلب الرجال وظائفهم، منذ أن دمر اللودايتيون آلات النسيج في إنجلترا أوائل القرن التاسع عشر.

المانغا المصورة

تججلت هذه النظرة المتباينة للتكنولوجيا في ثقافة البوب للنصف الثاني من القرن العشرين. وكان من أبرز الشخصيات اليابانية المؤثرة في تلك الحقبة شخصية "أسترو بوي" (Astro Boy)، التي ظهرت لأول مرة في قصص المانغا المصورة عام 1952، لتنتقل بعد ذلك إلى الكتب، والبرامج التلفزيونية، والأفلام، ومجموعة واسعة من المنتجات مثل مجسمات الحركة وبطاقات التداول.

كان "أسترو بوي" روبوتاً يستخدم قواه الخارقة في فعل الخير، ونجح في حشد البلاد حول رسالة إيجابية تجاه التكنولوجيا – حتى وإن لم يكن مقصوداً له ذلك في الأصل.

كتبت فاغنر: "وفقاً لتيزوك "امبتكر أسترو بوي"، فقد أُجبر على رسم صورة متفائلة للغاية للتكنولوجيا، من قِبل شركته الناشرة وقرائه من أجل بث الأمل في نفوس اليابانيين الذين ما زالوا يعانون في خمسينيات القرن الماضي من دمار الحرب وإدراكهم لتفوقهم التكنولوجي الضئيل مقارنة بالمنتصرين الغربيين في الحرب".

وتضيف: "لم تُفهم رسالة تيزوكا النقدية للسلوك البشري، بل أُهديت الشخصية الودودة للروبوت المنقذ كأمل للمستقبل في المجتمع الياباني".

تركت هذه الرسالة أثراً عميقاً في جيل من اليابانيين، لا سيما أولئك الذين انخرطوا لاحقاً في صناعة روبوتاتهم الخاصة.

ووفقاً للمهندس يوجي أوميتاني: "الروبوتات اليابانية مدفوعة بحلم أسترو بوي". ويضيف: "إذا لم تكن هناك قصص خيالية عن الروبوتات، لما وُجدت الروبوتات أصلاً"، وهي عقيدة يتبناها العديد من كبار باحثي ومطوري الروبوتات في اليابان، إذ حلموا بشخصية أسترو بوي منذ أيام المدرسة الثانوية وأصبحوا مهندسي روبوتات بفضله.

وفي المقابل، روى الغرب قصصاً إيجابية عن الروبوتات أيضاً، لكن أكثر أعماله تأثيرًا كانت تدور حول التهديدات التي تشكلها على البشرية.

ففي فيلم (2001: A Space Odyssey)، ينحرف نظام الكمبيوتر الذكي "هال" ويسيطر ويقتل عدداً من أفراد طاقم المركبة الفضائية التي يتحكم بها.

وفي رواية (Do Androids Dream of Electric Sheep?) وفيلمها المقتبس (Blade Runner)، تتمرد روبوتات شبيهة بالبشر بشكل مقنع ضد عبوديتها حتى يتم مطاردتها وقتلها.

التحذيرات الأخلاقية

لقد تبلورت مخاوف الغرب من الروبوتات بأقوى شكل ممكن في سلسلة أفلام "المبيد" (Terminator)، حيث يكتسب شبكة كمبيوتر الدفاع "سكاي نت" وعي الذات، ويحاول البشر إيقاف تشغيلها، فتستخدم سكاي نت روبوتات تُدعى "المبيدون" لتشن حرباً ناجحة عليهم.

وتستلهم العديد من أعمال الخيال العلمي الغربية التحذيرات الأخلاقية ذاتها من روايتي "فرانكنشتاين" و"آر.يو.آر": وهي حماقة ابتكار حياة صناعية، ومفارقة ما إذا كان أي شيء يصنعه البشر يمكن أن يمتلك روحاً، واستحالة تعايش البشر مع أكثر إبداعاتهم تطوراً.

وفي الوقت نفسه، تبدو اليابان، الأقل انشغالاً بالمخاوف من تمرد الروبوتات، متحمسة لاستخدام الآلات لتعويض النقص الحاد في العمالة ومعالجة مهام مثل رعاية الفئات العمرية المتقدمة في السريع النمو بالبلاد.

وكما حدث في حقبة ما بعد الحرب، تدفع الحكومة والشركات نحو الأتمتة لمساعدة الاقتصاد، مما يسهم في خلق حماس وطني عام تجاه الروبوتات.

ولكن بينما ساعد "أسترو بوي" في ولادة حماس اليابان لفكرة الروبوتات، فإنه ربما ساهم أيضاً في حالة التردد والازدواجية التي تبديها البلاد تجاهها على أرض الواقع حتى اليوم.

ويشير راثمان إلى أن اليابانيين يعانون من "متلازمة أسترو بوي": فهم يميلون إلى تخيل الروبوتات البشرية ككائنات ذكية، مرنة، وقوية، في حين أن الروبوتات الحقيقية حتى الآن لم تلبِ توقعاتهم.

ويرى أنه استناداً إلى التكنولوجيا المتوفرة حالياً، ينبغي على المهندسين العاملين في روبوتات رعاية المسنين التركيز على صنع أجهزة بسيطة تندمج بسلاسة في مرافق الرعاية بدلاً من الأجهزة الباهرة المكلفة وغير العملية.

وفي النهاية، قد يفضل اليابانيون أن تتم تلبية احتياجاتهم الإنسانية بواسطة بشر حقيقيين.

وتقول الباحثة ماريكيتا نييميلا: "حين سافرت إلى اليابان، اكتشفت أن مرافق الرعاية هناك ليست مزدحمة على الإطلاق بالأجهزة الروبوتية.

فاللمسة الإنسانية تظل هي الأكثر تقديراً".

لقد منح "أسترو بوي" اليابان رؤية متفائلة لمستقبل روبوتي، ولا يزال اليابانيون يحتفظون بهذا التفاؤل، غير أن الروبوتات ظلت، حتى الآن، محصورة بعض الشيء في دائرة المستقبل.