منذ آلاف السنين، كانت الحيوانات الأليفة تؤدي دوراً لا يحتاج إلى كثير من الشرح، ككلب ينتظر صاحبه عند الباب، وقط ينام بجواره، وطائر يملأ البيت بالصوت، وكان الحضور بسيط، لكنه يكفي في أحيان كثيرة لتخفيف الوحدة ومنح الإنسان شعوراً بأن هناك كائناً آخر يشاركه المكان، لكن اليوم دخل الذكاء الاصطناعي هذه المساحة بهدوء، وبدأ يقدم شيئاً يشبه الرفقة فهل يمكن للآلة أن تنافس الحيوان على مكانه في قلب الإنسان؟
بعض الدراسات تقول أن هذه المنافسة قد بدأت بالفعل، ففي دراسة من جامعة ستانفورد شملت 1131 مستخدماً لمنصة «كاركتر إيه آي»، وصف المشاركون علاقاتهم بالروبوتات بحرية، استخدم أكثر من نصفهم كلمات مثل «صديق» و«رفيق» و«شريك عاطفي»، كما أن أكثر من 80% من المحادثات التي أتاحها المشاركون للباحثين تضمنت طلباً لنوع من الدعم العاطفي أو الاجتماعي، أي إن العلاقة قد تبدأ كتجربة أو تسلية، ثم تتحول ببطء إلى شيء أقرب إلى الصحبة.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى منطقة تعرفها الحيوانات الأليفة جيداً، فالكلب والقط لا يعالجان المشكلة ولا يقدمان تفسيراً لها، لكن وجودهما نفسه يؤدي دوراً نفسياً مهماً، وفي دراسة نشرت عام 2025 في مجلة «ساينتفك ريبورتس»، وجد الباحثون أن علاقة الإنسان بكلبه تحمل مزيجاً من خصائص علاقة الوالد بطفله وعلاقته بصديقه المقرب، مع قدر أقل من النزاع مقارنة بالعلاقات البشرية.
لكن الذكاء الاصطناعي يملك ميزة لا يملكها الحيوان، فيمكن للمستخدم أن يشرح له ما حدث في العمل، وأن يعيد القصة نفسها عشر مرات، وأن يطلب رداً في الثالثة صباحاً.
وفي دراسة امتدت أربعة أسابيع وشملت 981 شخصاً، تبادل المشاركون أكثر من 300 ألف رسالة مع روبوتات محادثة مختلفة، ووجد الباحثون أن بعض الاستخدامات ارتبطت في البداية بانخفاض الشعور بالوحدة، لكن الاستخدام الكثيف ارتبط بقوة أكبر بالاعتماد العاطفي، والوحدة، وانخفاض التواصل مع البشر.
وهنا تظهر نقطة قد تبدو في صالح الحيوانات الأليفة، ألا وهي أن الحيوان ليس مثالياً، فالكلب يحتاج إلى المشي حين تكون متعباً، والقط قد يتجاهلك تماماً، والحيوان يمرض ويكبر ويحتاج إلى رعاية، لكن هذه المتطلبات تجعل العلاقة متبادلة ومطلوبة خصوصاً اليوم.
فالارتباط بالحيوان لا يقوم على الشعور بأن هناك من "يستمع" فقط، بل على المسؤولية أيضاً، فبعض الدراسات تشير إلى أن الحيوانات الأليفة قد تساعد أصحابها على بناء روتين يومي، وتشجع على الحركة والخروج، وتخلق فرصاً للتفاعل مع الآخرين.
وفي دور الرعاية بدأ استخدام حيوانات روبوتية تشبه القطط والكلاب وحتى الفقمات، وفي تجربة حديثة على 50 شخصاً مسناً، سجلت المجموعة التي استخدمت حيوانات روبوتية ارتفاعاً ملحوظاً في المشاعر الإيجابية.
وفي دراسة أخرى على 85 شخصاً مصاباً بالخرف، ارتبط الاستخدام المتكرر للفقمة الروبوتية «بارو» بانخفاض العبء النفسي على مقدمي الرعاية. مما يشير إلى أن الدماغ البشري قد يستجيب لبعض مظاهر الرفقة حتى عندما يعرف أن الكائن أمامه ليس حقيقياً.
وفي عصر يستطيع فيه الإنسان أن يحصل على إجابة فوراً، قد تبقى للحيوان ميزة أنه لا يمنحنا مجرد استجابة، بل علاقة مع كائن حي لا يدور عالمه بالكامل حولنا، ومع ذلك اختار أن يبقى قريباً.
