بـ 200 مليار دولار.. "جيمناي" يحقق رؤية لاري بيج لعام 2000

​بدلاً من مجرد عرض قائمة من الروابط الزرقاء، بات محرك البحث اليوم يمتلك "عقلاً" يفهم ويحلل؛ وهي الرؤية التي وضع حجر أساسها "لاري بيج" منذ ربع قرن.

بصفته يقود واحدة من أضخم شركات البيانات في العالم، تنبأ مؤسس "جوجل" في وقت كانت فيه الإنترنت مجرد غابة من المعلومات المبعثرة، بأن الذكاء الاصطناعي هو "النسخة النهائية" من البحث.

واليوم، ومع إطلاق نموذج "جيمناي 3 فلاش"، تترجم الأرقام قصة صعود مذهلة حولت شركة ناشئة كانت تصارع الكبار إلى إمبراطورية تكنولوجية تسيطر على مفاصل المعلومات عالمياً، حيث لم يعد المحرك مجرد أداة للعثور على البيانات، بل مساعداً ذكياً ينفذ المهام نيابة عنك، محققاً بذلك "الحالة الذهنية" التي رسمها "بيج" لمستقبل التكنولوجيا قبل عقود.

​منذ تأسيس "جوجل" عام 1998 على يد "لاري بيج" و"سيرجي برين"، كان المفهوم السائد لمحركات البحث بدائياً يعتمد على الكلمات المفتاحية فقط، لكن "بيج" الذي شغل منصب الرئيس التنفيذي حتى عام 2001 قبل أن يخلفه "إريك شميت"، قفز بالشركة إلى الصدارة عبر خوارزمية "بيج رانك" الثورية التي حللت الروابط بين الصفحات لترتيب النتائج حسب أهميتها بدلاً من مجرد تكرار الكلمات.

وفي غضون عامين فقط، نقل هذا الابتكار "جوجل" من شركة ناشئة تتضاءل أمام عمالقة السوق آنذاك مثل "ألتا فيستا" و"ياهو" إلى منافس حقيقي؛ حيث نجحت الشركة الواعدة بحلول عام 2000 في الاستحواذ على 25% من سوق البحث العالمي، وهي القفزة التي مهدت الطريق لهيمنتها الحالية التي تتجاوز 90% من حصة السوق الدولية.

​وتظهر البيانات المالية المقارنة حجم الطفرة التاريخية التي حققتها الشركة؛ ففي عام 2000، صرح "لاري بيج" أن الشركة كانت تحقق إيرادات سنوية من إعلانات البحث تبلغ 80 مليون دولار فقط، وبالمقارنة مع أداء الشركة في عام 2024، نجد أن الإيرادات قفزت لتلامس حاجز الـ 200 مليار دولار، مما يعكس نمواً هائلاً يتجاوز 2500 ضعف عما كانت عليه في البدايات.

ومع ذلك، لم يكن الطموح المالي هو المحرك الوحيد، بل كان "بيج" يحلم بـ "محرك البحث المثالي" الذي يفهم كل ما هو موجود على الشبكة ويدرك بالضبط ما يريده المستخدم ليعطيه الإجابة الصحيحة مباشرة، مؤكداً في مقابلة أُجريت في أكتوبر عام 2000 أن الذكاء الاصطناعي هو الهدف الأسمى لـ "جوجل" والقدرة على الإجابة عن أي سؤال لأن كل شيء متاح على الويب.

​اليوم، يجسد نموذج الذكاء الاصطناعي "جيمناي" هذا الحلم الذي استغرق ربع قرن لينضج، فبعد المنافسة الشرسة التي أشعلها إطلاق "تشات جي بي تي" من شركة "أوبن أيه آي" في أواخر 2022، سارعت "جوجل" لتعزيز مكانتها بإطلاق "بارد" ثم إعادة تسميته وتطويره إلى "جيمناي".

وتشير التقارير الفنية، ومنها ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، إلى أن النسخة الأحدث "جيمناي 3 فلاش" قد تفوقت في اختبارات القياس العالمية على منافسيها مثل "تشات جي بي تي" ونموذج "كلود" التابع لشركة "أنثروبيك".

ولم يتوقف الأمر عند حدود الدردشة، بل أعادت الشركة تصميم محرك بحثها الأيقوني عبر دمج "وضع الذكاء الاصطناعي التوليدي" الذي يجيب على التساؤلات المعقدة ويبني خططاً متكاملة بدلاً من مجرد سرد الروابط.

​تجاوزت قوة النموذج الجديد حدود السرعة لتصل إلى قدرات معالجة مذهلة بفضل "نافذة سياق" عملاقة تصل إلى مليون رمز، مما يسمح له باستحضار كميات هائلة من المعلومات السابقة بدقة متناهية، بالإضافة إلى ميزة "التفكير المتعدد" التي تمكنه من تحليل النصوص والصور والصوت والفيديو والأكواد البرمجية في آن واحد.

وقد أصبح "جيمناي" اليوم "وكيلاً" ذكياً متغلغلاً في كافة تطبيقات جوجل، حيث يدير البريد الإلكتروني ويحلل البيانات في المستندات ويساعد في البرمجة المعقدة، مؤكدةً الشركة قدرته على تحويل أي فكرة إلى نموذج أولي يعمل في غضون دقائق.

وبينما كان "لاري بيج" يتحدث عن الذكاء الاصطناعي كهدف بعيد المنال في مطلع الألفية، تثبت إحصائيات 2024 أن "جوجل" لم تعد تبحث عن المعلومات فحسب، بل باتت تفهمها، تعالجها، وتصنعها نيابة عن البشر.