«أكتوبر الأسود».. كيف يحوّل الذكاء الاصطناعي القراصنة إلى تهديد للبنية التحتية العالمية؟

لم تعد الهجمات الإلكترونية تتطلب خبراء في البرمجة أو أدوات معقدة؛ فالذكاء الاصطناعي بات يمنح المجرمين قدرة أكبر على اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها بسرعة، قبل أن تتمكن الشركات والحكومات من معالجتها. ومع موجة من الاختراقات والثغرات التي شهدها أكتوبر 2026، تتصاعد المخاوف من انتقال التهديدات الرقمية إلى مرافق حيوية تمس حياة الناس مباشرة.

وتصف صحيفة «نيويورك بوست» هذه الموجة بـ«أكتوبر الأسود»، في إشارة إلى سلسلة من الحوادث الأمنية التي كشفت هشاشة أنظمة رقمية تعتمد عليها مؤسسات وشركات حول العالم، وأعادت تسليط الضوء على المخاطر التي يفرضها تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يسرّع الهجمات

قال سكوت شوبر، الرئيس التنفيذي لشركة «بيركلي فاريترونيكس سيستمز» المتخصصة في تقنيات الأمن، إن الذكاء الاصطناعي يسرّع اكتشاف نقاط الضعف في البرامج، ما يمنح المهاجمين فرصة لاستغلالها قبل أن تتمكن الجهات المستهدفة من الاستجابة.

وأوضح شوبر أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على كتابة الشيفرات والبرامج النصية اللازمة لتنفيذ بعض الهجمات، ما يقلل الحاجة إلى امتلاك مهارات برمجية متقدمة، ويوسّع دائرة الأشخاص القادرين على استخدام هذه الأدوات لأغراض خبيثة.

ومن أبرز الأمثلة التي أشار إليها التقرير، اكتشاف ثغرات خطيرة في لغة البرمجة «PHP»، المستخدمة على نطاق واسع في تشغيل مواقع الإنترنت. وكان من الممكن أن تسمح هذه الثغرات بتنفيذ تعليمات برمجية عن بُعد على الأنظمة المتأثرة، بما يفتح الباب أمام اختراق الخوادم والسيطرة عليها إذا لم تُعالج نقاط الضعف.

وشملت الحوادث أيضا برمجيات خبيثة وُزعت عبر أداة «LiteLLM»، التي يستخدمها مطورو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ثغرات دفعت شركات تقنية إلى الإسراع في إصدار تحديثات أمنية.

الخطر يتجاوز سرقة البيانات

لا تقتصر تداعيات الهجمات الإلكترونية على تسريب المعلومات أو تعطيل المواقع؛ إذ يمكن أن تستهدف أنظمة تشغيل مرافق حيوية، مثل شبكات المياه والكهرباء ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.

وبحسب التقرير، أكدت سبع ولايات أميركية محاولات لاستهداف منشآت مياه إلكترونيا، هي نيوجيرسي وأوريغون ومينيسوتا وميشيغان وداكوتا الجنوبية وألاباما وجورجيا.

ونقل التقرير عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن أكثر من 30 نظاما مائيا في مينيسوتا تعرض لهجمات إلكترونية خلال يوليو، فيما أدى هجوم في جورجيا إلى إصدار تحذير للسكان بغلي المياه في إحدى المقاطعات.

وتذكّر هذه الحوادث بهجوم الفدية الذي استهدف شركة «كولونيال بايبلاين» في مايو 2021، وأدى إلى إغلاق نظام خطوط أنابيب الوقود مؤقتا، ما تسبب في اضطراب الإمدادات على الساحل الشرقي للولايات المتحدة. ودفعت الشركة 4.4 ملايين دولار بالعملات المشفرة للمهاجمين، وفقًا لما أورده التقرير.

ثغرات أكثر من قدرة الخبراء على إصلاحها

في المقابل، تستخدم شركات الأمن والذكاء الاصطناعي التقنيات نفسها لاكتشاف الثغرات قبل أن يستغلها المهاجمون. لكن حجم المشكلات المكتشفة يثير تساؤلات بشأن قدرة الفرق البشرية على التحقق منها ومعالجتها بالسرعة المطلوبة.

وذكرت شركة «أنثروبيك»، في بيان صدر في 8 أكتوبر، أن عمليات مسح استمرت ستة أشهر باستخدام الذكاء الاصطناعي رصدت أكثر من 29 ألف ثغرة أمنية محتملة، لم يراجع البشر ويصلحوا يدويًا سوى نحو 6 آلاف منها.

وحذّرت الشركة من أن قدرة البشر على التحقق من النتائج لا تزال تشكل عنق زجاجة، وهو ما يعكس التحدي الذي يواجه قطاع الأمن السيبراني: فكلما ازدادت سرعة اكتشاف الثغرات، ازدادت الحاجة إلى فرق قادرة على التأكد من خطورتها وإصلاحها قبل استغلالها.

ويحذّر خبراء من تراكم الثغرات بوتيرة أسرع من قدرة المدافعين على معالجتها، في سباق تتطور فيه أدوات الهجوم والدفاع بالتوازي، لكن ليس بالضرورة بالسرعة نفسها.

بياناتك الشخصية قد تصبح سلاحا ضدك

يمتد الخطر أيضا إلى المعلومات الشخصية والمحادثات الخاصة. فبعد سرقة البيانات، يمكن للمجرمين استخدام الذكاء الاصطناعي لفرز السجلات وربط المعلومات المتناثرة، ما يساعدهم على إعداد عمليات احتيال أكثر إقناعا واستهدافا.

وحذّر شوبر من مشاركة المعلومات الحساسة مع روبوتات الدردشة، بما في ذلك كلمات المرور وأرقام الضمان الاجتماعي والبيانات المصرفية والتفاصيل العائلية الخاصة. كما دعا إلى مراجعة المستندات قبل رفعها إلى الخدمات الإلكترونية، للتأكد من خلوها من معلومات يمكن إساءة استخدامها.

ولتعزيز الحماية، أوصى باستخدام كلمات مرور طويلة وفريدة لكل حساب، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وتجنب إعادة استخدام كلمة المرور نفسها عبر مواقع مختلفة.

سباق بين المهاجمين والمدافعين

تكشف موجة «أكتوبر الأسود»، وفق التقرير، عن تحول في طبيعة الأمن السيبراني؛ فالذكاء الاصطناعي لا يمنح المدافعين أدوات أفضل لاكتشاف الثغرات فحسب، بل يساعد المهاجمين أيضًا على تطوير أساليبهم وتسريع استغلالها.

وفي ظل اعتماد الحياة اليومية على الخدمات الرقمية والبنية التحتية المتصلة بالإنترنت، لم تعد حماية الأنظمة مسؤولية تقنية تخص الشركات وحدها، بل أصبحت جزءًا من حماية الاقتصاد والسلامة العامة والبيانات الشخصية. ويظل التحدي الأساسي هو أن تتمكن المؤسسات من اكتشاف الثغرات وإصلاحها بالسرعة التي تتطور بها الهجمات.

نصحت السلطات الأوروبية الشركات التي تستخدم لغة البرمجة PHP بالتنسيق مع مزوّدي خدمات الاستضافة، وتثبيت التحديثات الأمنية، وعزل التطبيقات المعرّضة للخطر مؤقتًا إذا تعذّر إصلاحها فورًا.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يتيح تطوير أدوات أكثر فاعلية للدفاع عن الأنظمة، يرى خبير الأمن السيبراني سكوت شوبر أن المهاجمين يتحركون بوتيرة أسرع، ما يمنحهم أفضلية في سباق اكتشاف الثغرات واستغلالها قبل أن يتمكن المدافعون من إغلاقها.