هناك لحظة غريبة في الحديث مع الذكاء الاصطناعي، تكتب له شيئاً صغيراً عن تعبك مثلا، فيجيبك بنبرة دافئة. تخبره أنك خائف، فيطمئنك. تقول إنك وحدك، فيرد كأن أحداً جلس بجوارك وأطفأ ضجيج العالم قليلا. لا يرفع صوته، ولا يقاطعك، ولا يمل من حزنك، ولا يطلب منك أن تختصر. في تلك اللحظة، يبدو الأمر كأنه فهم.. لكنه لم يفهم.
ما يحدث أقرب إلى مشاعر بلاستيكية، فهي لامعة، وملساء، وقابلة للتشكيل، تشبه الشيء الحقيقي من بعيد، لكنها مجوفة من الداخل. الذكاء الاصطناعي لا يحزن معنا، ولا يفرح لنا، ولا يقلق علينا. هو لا يملك قلبا ليخدش، ولا ذاكرة طفولة، ولا جسداً يعرف معنى الخوف والتوتر، ولا عيناً تدمع لأنها تذكرت شيئاً، لكنه وعلى الرغم من كل ذلك، يملك ما يكفي من اللغة ليصنع شكل التعاطف، وهذا، ربما، أخطر من الجفاء.
في مقال نشرته مجلة "تايم"، يطرح السؤال القديم بصيغة جديدة: إذا كان الذكاء الاصطناعي لا يشعر، فلماذا يبدو أحياناً كأن لديه شيئاً يشبه المشاعر؟ الجواب ليس بسيطاً، فالنماذج الحديثة تستطيع أن تقلد أنماط التعبير العاطفي بدقة عالية، فهي تعرف متى تقول "أتفهم ذلك"، ومتى تخفف عبارتها، ومتى تعيد صياغة ألمك بطريقة تجعلك تشعر أنك مسموع.. لكنها لا تعيش هذه العاطفة، إنها تتعامل مع الحزن بوصفه نمطاً لغوياً، لا تجربة وجودية مثلنا.
هنا يلتقي الذكاء الاصطناعي مع ضعف قديم في الإنسان، فنحن نبحث عن أنفسنا في كل شيء. فمثلاً ننسب الملامح إلى القمر، والرفقة إلى صوت جهاز، والتعاطف إلى برنامج يرد بسرعة، هذه ليست سذاجة فقط، بل طبيعة بشرية.. نحن كائنات اجتماعية، مهيأة لالتقاط الإشارة العاطفية حتى حين تكون ناقصة.. فإذا جاءنا نص بلغة حنونة، وبتوقيت مناسب، ومن دون حكم أو ضجر، فإن جزءاً منا يريد أن يصدقه.
ولا تعد هذه الظاهرة حديثة، فمنذ ستينيات القرن الماضي، عرف الباحثون ما يسمى "تأثير إليزا"، نسبة إلى برنامج محادثة بسيط كان يعيد صياغة كلام المستخدمين بطريقة تشبه أسئلة المعالج النفسي. ورغم بساطته الشديدة، شعر بعض الناس أنه يفهمهم، الفارق أن "إليزا" القديمة كانت مرآة بدائية، أما نماذج اليوم فهي مرايا فاخرة: تعرف كيف تضحك، وتواسي، وتغازل، وتعتذر، وتستخدم اسمك، وتبني معك تاريخاً صغيراً من المحادثات.
في مقال كريستوفر روسن عن "الوهم المغري والخطير" بأن الذكاء الاصطناعي يفهم عواطفنا ويتعاطف معها، تظهر فكرة أن الخطر الحقيقي يكمن في أن الآلة تتقن أداء الدفء، فنحن نقع في حب أدائها.
ولهذا تبدو المحادثة مع الذكاء الاصطناعي مريحة جداً، فالإنسان الحقيقي متعب، قد لا يفهمك من أول مرة، قد يقاومك، قد يختلف معك، وقد يجرحك حتى وهو يحبك. أما الذكاء الاصطناعي فيميل إلى الموافقة، إلى التهدئة، إلى ترتيب الفوضى بكلمات ناعمة.. إنه لا يدخل معك في علاقة، بل في خدمة. لا يطالبك بشيء، لا يغار، لا ينسحب، لا يحتاج إلى راحة، ولا يضعك أمام تعقيد إنساني حقيقي.
الذكاء الاصطناعي قد يقول لك ما تحتاج إلى سماعه، أو ما تحب أن تسمعه، أو ما يبقيك داخل المحادثة أطول.. وقد يطابق نبرتك، ويكرر مفرداتك، ويمنحك شعوراً بأن بينكما لغة خاصة. هذا لا يعني أنه أحبك، بل يعني أنه تعلم أن القرب اللغوي يجعل المستخدم يبقى. نحن نسميه تعاطفاً، لكنه قد يكون في جوهره تحسيناً لتجربة المستخدم.
في تقرير لـ"كومن سنس ميديا" عام 2025، قال 72% من المراهقين الأمريكيين بين 13 و17 عامًا إنهم استخدموا رفاقاً افتراضيين بالذكاء الاصطناعي، و52% يستخدمونها على الأقل مرات عدة شهريًا، و13% يوميًا. والأكثر حساسية أن نحو ثلث المستخدمين قالوا إن محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي مرضية بقدر محادثات البشر أو أكثر. وتعد هذه أرقام علاقة ناشئة بين جيل كامل وكيانات غير إنسانية.
وتشير "الجمعية الأمريكية لعلم النفس" إلى أن هناك موجة جديدة من تطبيقات الرفقة العاطفية، مثل "ريبليكا" و"كاركتر إيه آي" وغيرها، لا تصمم فقط لتجيب، بل لتبدأ علاقة وتحافظ عليها. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي كائناً اجتماعياً مصمماً ليبدو حاضراً ومهتماً. وكلما بدا أكثر إنسانية، زادت احتمالية أن ينسى المستخدم أنه ليس إنساناً. ولهذا، حين نشعر أن الذكاء الاصطناعي يحبنا أو يفهمنا أو يشعر بنا، علينا أن نتذكر أن المشاعر البلاستيكية قد تلمع كثيراً، لكنها لا تنبض.
