لم تعد "سبوتيفاي" منصة تستقبل الأغاني فقط، بل تتحول تدريجيًا إلى ساحة اختبار كبرى لسؤال جديد في صناعة الترفيه: ماذا يحدث حين يصبح المحتوى قابلًا للتوليد بكميات لا نهائية؟
في الماضي، كانت الأزمة أن يكتشف الفنان كيف يصل إلى الجمهور. اليوم، الأزمة أن يصل الجمهور إلى الفنان وسط فيضان من المقاطع، بعضها بشري، وبعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، وبعضها لا يريد أكثر من خداع الخوارزمية وجمع الفتات من عائدات الاستماع.
موجة اصطناعية
لا تحظر المنصة الموسيقى المصنوعة بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل، بل إن موقفها المعلن أقرب إلى التفريق بين الاستخدام المشروع للتقنية وبين الاحتيال: مسموح أن يستخدم الفنان أدوات ذكية في الإنتاج أو المزج أو الترجمة أو التجريب، لكن غير مسموح بانتحال صوت فنان آخر، أو رفع آلاف المقاطع الرديئة، أو تضليل المنصة ببيانات خاطئة، أو استخدام البوتات لصناعة استماعات وهمية.
في سبتمبر 2025، أعلنت "سبوتيفاي" تشديد سياساتها ضد الانتحال والبريد الموسيقي العشوائي والخداع، وقالت إنها أزالت أكثر من 75 مليون مقطع "سبام" خلال عام واحد فقط. ويقصد بـ"مقاطع السبام" تلك الأعمال الصوتية التي تُنتج وتُرفع بكميات كبيرة، غالبًا بجودة محدودة أو بصيغ متشابهة، بهدف ملء المنصة وخداع الخوارزميات، لا بهدف تقديم تجربة موسيقية حقيقية. ويكشف حجم المشكلة: المنصة لم تعد تواجه أغنية مزيفة هنا أو هناك، بل تواجه صناعة ظل كاملة تحاول تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ماكينة إنتاج رخيصة وسريعة.
موسيقى رخيصة
خفض الذكاء الاصطناعي كلفة صناعة الأغنية إلى حد غير مسبوق. ما كان يحتاج استوديو، ومؤلفًا، وملحنًا، ومغنيًا، ومهندس صوت، صار يمكن إنتاجه خلال دقائق عبر نموذج توليدي. وهذا يفتح الباب أمام الفنانين المستقلين للتجريب، لكنه يفتح الباب نفسه أمام فيضان من المحتوى "المقبول تقنيًا" و"الفقير فنيًا".
رصدت دراسة أكاديمية حديثة عن "الرداءة الاصطناعية" في بث الموسيقى نمطًا واضحًا: كثير من صانعي موسيقى الذكاء الاصطناعي يعتمدون أسلوب "الرشّ والانتظار"، أي نشر كميات كبيرة عبر أنواع متعددة على أمل أن ينجح مقطع واحد. ووجدت الدراسة أن 93% من موسيقى الذكاء الاصطناعي التي فُحصت تحصل على عدد قليل جدًا من الاستماعات، أو لا تحصل على استماعات تُذكر.
خوارزمية مزدحمة
المشكلة هنا ليست فقط في ذوق المستمع، بل في اقتصاد المنصة. كل مقطع جديد ينافس على المساحة نفسها: قوائم التشغيل، البحث، التوصيات، وفتات الانتباه. وإذا امتلأت المنصة بموسيقى مولدة بلا نهاية، يصبح الفنان الحقيقي مضطرًا للقتال وسط ضجيج أكبر.
لهذا بدأت المنصات تتحرك، ومن أبرزها "سبوتيفاي" حيث أعلنت عن أدوات لتوسيم المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، وفلاتر للحد من "السبام"، وقواعد أوضح حول استنساخ الأصوات. كما بدأت تختبر حماية لملفات الفنانين تتيح لهم أو لفرقهم مراجعة الإصدارات قبل ظهورها على صفحاتهم، بعد شكاوى من أغانٍ مزيفة نُسبت إلى أسماء معروفة.
صوت مسروق
أكثر ما يخيف الفنانين ليس أن يستخدم شخص آلة لصناعة أغنية، بل أن تستخدم الآلة صوتهم هم. في زمن الاستنساخ الصوتي، يمكن لمسار مزيف أن يظهر فجأة على حساب فنان، أو أن ينتشر بصوت يشبهه، أو أن يجني المال من اسم لم يشارك في العمل أصلًا.
لذلك لا تبدو معركة المنصات ضد الذكاء الاصطناعي معركة ضد التقنية، بل ضد الانتحال. الشركة تريد أن تقول: الذكاء الاصطناعي مسموح حين يكون أداة، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى قناع يرتديه شخص آخر لسرقة صوت أو اسم أو جمهور.
دي جي
في الوقت نفسه، تستخدم الشركة الذكاء الاصطناعي داخل تجربتها الخاصة، فقد أطلقت ميزة "AI DJ"، وهي مرشد صوتي يختار الموسيقى للمستخدم ويعلق عليها بصوت اصطناعي واقعي، كما اختبرت ترجمة صوتية للبودكاست تحافظ على خصائص صوت المتحدث بلغات أخرى مثل الإسبانية والفرنسية والألمانية.
تبحث المنصة عن ذكاء اصطناعي يساعدها على زيادة التفاعل، وتخصيص التجربة، وتوسيع المحتوى إلى لغات وأسواق جديدة، لا ذكاءً اصطناعيًا يحول المنصة إلى مكب موسيقي ضخم.
سوق مقلق
وأعلنت "ديزر"، المنصة الفرنسية لبث الموسيقى والبودكاست، أنها تتلقى نحو 75 ألف مقطع مولد بالذكاء الاصطناعي يوميًا، تمثل 44% من كل الرفع اليومي الجديد على منصتها، وأنها تعرفت على أكثر من 13.4 مليون مقطع مولد بالذكاء الاصطناعي منذ إطلاق نظام الكشف الخاص بها. كما أظهر استطلاع مرتبط بـ"ديزر" أن 97% من المشاركين لم يستطيعوا التمييز بين الموسيقى البشرية والمولدة آليًا، بينما أيّد 73% وضع ملصق يوضح أن المحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي.
ما يحدث ليس نهاية الموسيقى، لكنه نهاية براءة المنصات. لم يعد كافيًا أن تسأل: من غنّى هذه الأغنية؟ بل يجب أن تسأل: من صنعها؟ من يملك الصوت؟ هل استُخدمت بيانات مرخصة؟ هل هذا فنان أم نموذج؟ هل هذه شهرة حقيقية أم استماع مزيف؟
وفي هذا العالم، لن تكون المعركة بين الإنسان والآلة فقط، بل بين المحتوى الذي يحمل روحًا، والمحتوى الذي يعرف كيف يشبه الروح بما يكفي ليعبر الخوارزمية.
