كيف تحول "التنبؤ" إلى ترند في صناعة المحتوى؟

لم يعد صانع المحتوى يسأل فقط: متى أنشر؟ وما العنوان الأفضل؟ وما الصورة التي تجذب العين؟ السؤال الجديد صار أكثر جرأة: ماذا سيحدث داخل دماغ المتلقي عندما يرى هذا الفيديو؟

هنا تظهر فكرة "العقل الثاني"، ليس بوصفها دفتر ملاحظات رقميًا يحفظ الأفكار، بل كنموذج ذكاء اصطناعي يحاول أن يتنبأ بردة فعل الدماغ قبل أن يشاهد الإنسان المحتوى أصلًا. الفكرة تبدو قادمة من الخيال العلمي: أن تضع فيديو أمام نموذج حاسوبي، فيخبرك أي جزء منه قد يوقظ الانتباه، وأي لقطة قد تثير الفضول، وأي إيقاع بصري قد يجعل المتلقي يواصل المشاهدة بدل أن يمرر بإصبعه إلى الفيديو التالي.

طورت ميتا نموذجًا يسمى "ترايب في 2،" "TRIBE v2" وهو نموذج صُمم للتنبؤ بكيفية استجابة الدماغ البشري للمقاطع المرئية والمسموعة واللغوية.

 ودُرّب النموذج على أكثر من 1000 ساعة من تسجيلات الرنين المغناطيسي الوظيفي، شملت نحو 720 مشاركًا وهم يشاهدون مقاطع فيديو طبيعية، ثم أصبح قادرًا على إنتاج خرائط تنبؤية لنشاط الدماغ عند مشاهدة أي فيديو جديد.

وهذه ليست مجرد أداة تحليل محتوى تقليدية، فأدوات التسويق المعتادة تقول لك ماذا حدث بعد النشر: عدد المشاهدات، وقت المشاهدة، نسبة النقر، التعليقات، الإعجابات، ومعدل الاحتفاظ بالجمهور. أما الفكرة هنا فهي مختلفة: محاولة معرفة ما قد يحدث قبل النشر. أي الانتقال من تحليل النتائج بعد وقوعها، إلى تصميم المحتوى بناءً على توقع الاستجابة العصبية.

من الترند إلى الدماغ

صناعة المحتوى اليوم تتحرك بسرعة لا ترحم. ملايين المقاطع تُنشر يوميًا، وكل صانع محتوى يحاول أن يسرق ثواني قليلة من انتباه جمهور مُرهق. في هذا السوق، لم يعد الإبداع وحده كافيًا، صار على الفيديو أن ينتصر في أول ثانيتين أو ثلاث. وإذا لم يفعل، يختفي تحت موجة لا تنتهي من المحتوى.

وبحسب "ستاتيستا" الموقع المتخصص بتحليل الأرقام، من المتوقع أن يتجاوز الإنفاق العالمي على الإعلانات الرقمية 950 مليار دولار في 2026، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي قد يتجاوز تريليون دولار.

أما اقتصاد صنّاع المحتوى، فتقدره "غراند فيو ريسيرش" بنحو 252.3 مليار دولار في 2025، مع توقع وصوله إلى أكثر من 1.3 تريليون دولار بحلول 2033، ولعل هذا يشرح لنا لماذا أصبح فهم الانتباه البشري سوقًا قائمًا بذاته.

في هذا السياق، يصبح نموذج مثل "ترايب في "2 أكثر من تجربة علمية، حيث أنه جزء من معركة أكبر: من يستطيع أن يفهم الدماغ أسرع؟ ومن يستطيع أن يصمم محتوى لا يمر فقط أمام العين، بل يعلق في الذاكرة؟

كيف يعمل؟

لا يقرأ "ترايب في 2" الأفكار الخاصة، ولا يعرف أسرار الإنسان، ولا يحول الدماغ إلى شاشة مكشوفة، فهو ليس "قارئ أفكار"، بل هو أقرب إلى بناء نموذج احتمالي لكيف يستجيب الدماغ عندما يرى أو يسمع محفزًا معينًا.

النموذج يتعامل مع الفيديو كمدخل: صورة، وحركة، وإيقاع، وصوت، ولغة. ثم يتنبأ بأنماط نشاط عصبي على مستوى مناطق دقيقة في القشرة الدماغية. وبحسب المقال، يصل النموذج إلى دقة مكانية عبر 20,484 نقطة قشرية، وهي زيادة كبيرة في الدقة مقارنة بالإصدارات السابقة، كما يستطيع معالجة فيديو مدته بين 30 و60 ثانية خلال نحو دقيقتين على بطاقة رسوميات واحدة.

هنا تظهر الفكرة المغرية لصنّاع المحتوى والمسوقين: بدل أن تدفع آلاف الدولارات لاختبار إعلان داخل مختبر عصبي، تستطيع أن تستخدم نموذجًا حاسوبيًا يتوقع الاستجابة. فالدراسات التقليدية في التسويق العصبي قد تكلف، بحسب المقال، بين 15 ألفًا و150 ألف دولار، وتحتاج عادة إلى 20 إلى 40 مشاركًا وعدة أسابيع. أما النموذج الحاسوبي فيعد بزمن أسرع وتكلفة أقل وتجارب أكثر.

المحتوى قبل أن يصبح محتوى

الفكرة أن مخرجات الدماغ الخام لا تفيد المسوق مباشرة، فلا أحد يريد خريطة عصبية معقدة إذا لم يعرف ماذا تعني. لذلك يحاول هذا الإطار تحويل النشاط المتوقع إلى إشارات مفهومة: هل الفيديو يوقظ الانتباه؟ هل يخلق مفاجأة؟ هل يدفع المشاهد إلى التفكير؟ هل يصنع ارتباطًا عاطفيًا؟ هل يضع الدماغ في حالة مشاهدة نشطة أم مرور سريع؟

وهنا تكمن قوة الفكرة وخطورتها معًا، فإذا عرف صانع المحتوى أي لقطة تحفز الانتباه، وأي إيقاع يطيل المشاهدة، وأي بداية تشعل الفضول، فقد يصبح المحتوى أكثر قدرة على الانتشار. لكنه قد يصبح أيضًا أكثر قدرة على الاستغلال.

مستقبل مضيء

بعيدًا عن التسويق، يمكن لهذه النماذج أن تكون مفيدة علميًا. وفقًا لتقرير "نيوروساينس نيوز"، المتخصصة بالأبحاث العصبية، فإن "ترايب" يسمح بما يسمى "علم الأعصاب داخل الحاسوب"، أي إجراء تجارب افتراضية على استجابات الدماغ بدل الحاجة إلى مسح أدمغة بشرية في كل مرة. ويشير التقرير إلى أن النموذج يحقق زيادة تصل إلى 70 مرة في الدقة مقارنة بأنظمة سابقة، وأنه قادر على التنبؤ باستجابات الدماغ لمحفزات جديدة دون إعادة تدريب كاملة.

هذا النوع من البحث قد يساعد مستقبلًا في فهم اضطرابات اللغة، أو مشكلات المعالجة السمعية والبصرية، أو تطوير واجهات الدماغ والحاسوب التي تساعد أشخاصًا فقدوا القدرة على الكلام أو الحركة. وباستخدام هذه التكنولوجيا بهذا الشكل، يبدو "العقل الثاني" أداة رحيمة، فهي الآن وسيلة لفهم الدماغ لا لاختراقه.

كما أن أبحاثًا أخرى في مجال "ترجمة النشاط الدماغي" بدأت تكشف قدرة الذكاء الاصطناعي على وصف ما يراه الشخص أو يتذكره اعتمادًا على إشارات دماغية غير غازية. ووفقًا لتقارير علمية حديثة، نجحت أنظمة متقدمة في إنتاج أوصاف نصية لمشاهد مرئية بناءً على نشاط الدماغ، وهو تطور قد يفتح أبوابًا طبية وعلمية مهمة، لكنه يفتح أيضًا أسئلة أخلاقية لا يمكن تجاهلها.

الجانب المظلم

المشكلة تبدأ حين ينتقل هذا النوع من النماذج من المختبر إلى السوق. فاقتصاد الانتباه لم يكن يومًا بريئًا. المنصات لا تريد فقط أن تشاهد، بل أن تبقى. وكل ثانية إضافية تعني إعلانًا أكثر، وبيانات أكثر، وربحًا أكبر. فإذا أصبحت الشركات قادرة على اختبار المحتوى بناءً على ردود فعل عصبية متوقعة، فقد ينتقل التلاعب من مستوى العنوان والصورة إلى مستوى أعمق: تصميم الإحساس نفسه.

هنا يصبح السؤال مخيفًا: ماذا يحدث عندما لا تصمم المنصات المحتوى الذي يعجبك فقط، بل المحتوى الذي يعرف كيف يخطف دماغك؟ ماذا يحدث عندما يصبح "الهوك" ليس جملة جذابة، بل محفزًا عصبيًا محسوبًا؟ وماذا يحدث عندما تتحول مشاعر مثل الدهشة والخوف والفضول والغضب إلى أزرار يمكن اختبارها قبل النشر؟

هذا لا يعني أن "ترايب في 2 يقرأ العقل أو يتحكم فيه. لكنه يوضح اتجاهًا أكبر: الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بفهم اللغة والصورة، بل بدأ يقترب من فهم أثرهما على الإدراك البشري. وهذا التحول يجعل صناعة المحتوى أقوى، لكنه يجعلها أيضًا أكثر خطورة إذا غابت الشفافية.