بنك "جيه بي مورغان" يستعد لإطلاق جيل جديد الـ"موظفين الرقميين"

في خطوة تعكس التحول المتسارع الذي يشهده عالم الأعمال نحو الاعتماد على الذكاء الاصطنامعي، كشف بنك جي بي مورغان تشيس، عن خطط لإطلاق جيل جديد من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على العمل بشكل مستقل ولساعات متواصلة، في تطور قد يعيد رسم ملامح الوظائف والعمليات التشغيلية داخل المؤسسات الكبرى.

ووفقاً لمسؤولين في البنك الأمريكي، فإن هذه الأنظمة الذكية لن تقتصر على تنفيذ مهام محددة أو أوامر بسيطة كما هو الحال في التطبيقات الحالية، بل ستتحول إلى ما يشبه «الموظفين الرقميين» القادرين على إدارة مهام معقدة ومتعددة المراحل عبر برامج ومنصات مختلفة دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر.

وأوضح ديريك والدرون، كبير مسؤولي التحليلات في البنك، أن عالم الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة وصفها بـ«عصر الوكلاء المستقلين طويلي التشغيل»، حيث باتت الأنظمة الذكية قادرة على مواصلة العمل لفترات أطول بكثير من السابق.

وقال إن وكلاء الذكاء الاصطناعي الحاليين عادة ما ينفذون مهمة محددة خلال دقائق معدودة، أما الجيل القادم فسيكون قادراً على العمل لمدة ساعة أو ساعتين متواصلتين لإنجاز أهداف معقدة تتطلب سلسلة من الإجراءات والقرارات المتتابعة.

وأضاف أن هذه الأنظمة أصبحت أقرب إلى «مديري فرق العمل» منها إلى أدوات تنفيذ فردية، إذ تستطيع تحليل المشكلات، وتقسيم المهام، وتوزيعها على أنظمة فرعية مختلفة، ثم متابعة تنفيذها حتى الوصول إلى النتيجة المطلوبة.

تحديات

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على اقتراب الذكاء الاصطناعي من تجاوز العقبات المتعلقة بالأمن السيبراني والحوكمة والرقابة التنظيمية، وهي التحديات التي أعاقت حتى الآن انتشار الوكلاء المستقلين داخل المؤسسات المالية الكبرى.

ويُعد جيه بي مورغان أكبر بنك أمريكي من حيث حجم الأصول، ويخصص ما يقارب 20 مليار دولار سنوياً للاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، ما يجعله من أكثر المؤسسات استعداداً لتبني التقنيات الحديثة على نطاق واسع.

وخلال السنوات الماضية، ركزت الشركات على استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية، إلا أن التوجه الجديد بات يركز بشكل متزايد على زيادة الإيرادات وتعزيز القدرة التنافسية.

وأشار والدرون إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي أصبح واضحاً في مجالات تطوير البرمجيات والعمليات الإدارية الخلفية، لكنه بدأ أيضاً يحقق نتائج ملموسة في الوظائف المرتبطة مباشرة بتحقيق الإيرادات.

فعلى سبيل المثال، تستخدم فرق الخدمات المصرفية الخاصة في البنك أنظمة ذكاء اصطناعي تقوم ليلاً بتحليل الأسواق العالمية ومراكز العملاء والأبحاث المالية، ما يمنح الموظفين صورة شاملة وجاهزة عند بدء يوم العمل ويسمح لهم بالتركيز على بناء العلاقات مع العملاء بدلاً من جمع البيانات.

وكشف أن هذه الأدوات أسهمت في رفع المبيعات الإجمالية للبنك بنحو 20%، مع توقعات بأن تمكن المصرفيين مستقبلاً من خدمة عدد أكبر من العملاء بنسبة قد تصل إلى 50%.

مستقبل الوظائف

ورغم المكاسب الكبيرة التي تعد بها هذه التقنيات، فإنها تثير تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الوظائف البشرية.

وكان الرئيس التنفيذي للبنك جيمي ديمون، قد أقر سابقاً بأن بعض الوظائف ستتأثر بالتحول نحو الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن المؤسسة تعمل على إعادة تدريب الموظفين المتأثرين وتأهيلهم لشغل أدوار جديدة تتماشى مع المتغيرات التقنية.

لكن والدرون شدد على أن النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي لا يقاس بعدد الوظائف التي يتم الاستغناء عنها، بل بقدرة المؤسسات على بناء ميزة تنافسية مستدامة تتيح لها النمو وتحقيق إيرادات أكبر.

وأشار المسؤول المصرفي إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير أيضاً طريقة تفكير الشركات في شراء البرمجيات والخدمات التقنية، فبدلاً من الاعتماد الكامل على الموردين الخارجيين، أصبحت المؤسسات الكبرى تدرس بشكل متزايد إمكانية تطوير حلولها الخاصة داخلياً باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة.

ويرى خبراء أن هذا التحول قد يشكل تحدياً حقيقياً لشركات البرمجيات التقليدية، خاصة تلك التي تعتمد على تقديم خدمات يمكن إعادة إنتاجها بسهولة عبر منصات الذكاء الاصطناعي الجديدة.

إشراف بشري

ويتوقع والدرون أن تتطور قدرات الوكلاء المستقلين بسرعة خلال السنوات المقبلة، بحيث تنتقل من العمل لساعات متواصلة إلى أيام وربما أسابيع كاملة دون الحاجة إلى إشراف بشري مباشر.

ومع استمرار هذا التطور، يبدو أن المؤسسات العالمية تقترب من مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً أساسياً في اتخاذ القرار وإدارة العمليات اليومية، في تحول قد يمثل أحد أكبر التغيرات في بيئة العمل منذ ظهور الإنترنت نفسه.

وبينما لا تزال هناك تحديات تنظيمية وأمنية يجب تجاوزها، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن «الموظف الرقمي» لم يعد مجرد فكرة مستقبلية، بل واقعاً يقترب بسرعة من دخول المكاتب والمؤسسات حول العالم.