موت "اللينك".. هل يهيمن الذكاء الاصطناعي على المعرفة؟

لعقدين كاملين كان الرابط الإلكتروني مصدر المعرفة الموثوق. تبحث، فتنبثق أمامك قائمة من العناوين الزرقاء، تضغط واحداً منها فتَعبر إلى موقع له اسم وتصميم وتاريخ وأسلوب، تقرأ وتقارن وتشكّ ثم تكوّن رأيك. كان العبور شرطاً للوصول إلى المعرفة. أمّا اليوم فقد اختصر السؤال طريقه؛ تسأل فتأتيك الإجابة مصقولة جاهزة في أعلى الصفحة، أو من فمِ روبوت محادثة، فتكتفي بها دون الولوج إلى المصدر الأصلي.

ولأنّ ما يجري ليس تفصيلاً تقنياً، انتقلت المسألة هذا الأسبوع من ساحة النقاش إلى ساحة التنظيم. فقد ألزمت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية «CMA» شركة «غوغل» بمنح الناشرين أدوات فعّالة تمنع استخدام محتواهم في تشغيل ميزات الذكاء الاصطناعي مثل «ملخّصات البحث» و«وضع الذكاء الاصطناعي»، وبإسناد محتوى الناشرين إسناداً واضحاً عبر روابط ظاهرة، بل وبتمكينهم من الانسحاب من استخدام موادهم في «الضبط الدقيق» لنماذج الذكاء الاصطناعي. القرار جاء بعد أشهر من تصنيف «غوغل» جهة ذات «وضع استراتيجي في السوق»، إذ تستحوذ على أكثر من 90% من عمليات البحث في بريطانيا.

إجابة حاضرة

تكمن الفكرة الأساسية في انقلاب العلاقة بين السؤال والجواب. الإنترنت القديم كان مبنياً على الرابط بوصفه جسراً لا غنى عنه. الإنترنت الجديد يلغي الجسر، ويضع الإجابة بين يديك قبل أن تخطو خطوة واحدة. والأرقام تترجم هذا الانقلاب إلى واقع قابل للقياس.

في تحليل نشره مركز «Pew» للأبحاث عام 2025، رصد سلوك 900 بالغ أمريكي على مدى شهر، تبيّن أنّ نحو 85% منهم أجروا بحثاً واحداً على الأقلّ أنتج ملخّصاً ذكياً. والأهمّ أنّ المستخدم نقر على نتيجة تقليدية في 8% فقط من عمليات البحث المصحوبة بملخّص، مقابل 15% في الصفحات الخالية منه؛ أمّا النقر على الروابط داخل الملخّص نفسه فلم يتجاوز 1%.

ما الذي يموت فعلاً؟

الرابط لم يَختفِ حرفياً؛ ما يحتضر هو قيمته الاقتصادية والتحريرية. كان الرابط يعني زيارة، والزيارة تعني إعلاناً واشتراكاً وبيانات جمهور وولاء للموقع. حين يأخذ القارئ الخلاصة من محرّك البحث أو من روبوت المحادثة، يبقى الموقع الأصلي حاضراً بوصفه «مصدراً خاماً»، ويخسر في الوقت نفسه قارئه المباشر. وللمفارقة، لم تَنج من هذا النزف حتى أكثر المواقع استشهاداً بها؛ فقد أعلنت «مؤسسة ويكيميديا» أنّ زيارات البشر لموسوعتها تراجعت بنحو 8% على أساس سنوي، وعزت ذلك إلى تقديم محرّكات البحث إجابات مباشرة مستقاة من محتواها بدلاً من الإحالة إليها.

وهنا يقع جوهر الأزمة بالنسبة إلى الصحافة الإلكترونية، ويمكن صياغة السؤال بحدّة؛ ماذا يحدث للصحيفة حين تُقرأ خلاصتها ولا يزار موقعها؟ المعضلة ليست في الشكل، لكن في مسّها شريان التمويل؛ فالصحيفة تنتج المادة، والمنصّة تلخّصها، والقارئ يكتفي بالملخص، والإعلان يبقى عند المنصّة لا عند الناشر. وقرار «CMA» ليس سابقة معزولة؛ فقد رفعت مجموعة «بنسكي» الإعلامية دعوى احتكار ضدّ «غوغل» أواخر 2025، فيما أبلغت مجموعة «دي إم جي ميديا» الهيئةَ البريطانية بأنّ معدّلات النقر لديها هوت بنسبة 89% بفعل الملخّصات.

حرب المصدر والوسيط

في الإنترنت القديم كان القارئ يرى اسم الموقع وتصميمه وتاريخه ومصادره، فيزن المعرفة بميزان منتِجها. في الإنترنت الجديد قد لا يرى إلّا جواباً مركّباً من مصادر عدّة بلا وجه واحد. هنا ينتقل النفوذ من المصدر الذي أنتج المعرفة إلى الوسيط الذي أعاد صياغتها، فيغدو الوسيط محرّراً خفياً يقرّر ما يَظهر وما يحذف. وهذا ما رصدته دراسة أكاديمية موسّعة نشرت عام 2026، حلّلت 55.393 استعلاماً على مدى أربعين يوماً، فوجدت أنّ قرابة 30% من النطاقات التي تستشهد بها الملخّصات لا تظهر أصلاً ضمن نتائج الصفحة الأولى التقليدية، ما يكشف عن آليّة اختيار للمصادر مستقلّة عن خوارزمية الترتيب المعروفة.

كان الرابط يؤدّي وظيفة معرفية نبيلة؛ يمنح القارئ طريقاً للتحقّق والرجوع إلى الأصل. وحين يختزل المصدر في جواب واحد، تضمر عادة المراجعة، فيصبح الخطأ أشدّ خطراً؛ ذلك أنّه يأتي في صيغة مصقولة واثقة تغري بالتصديق. والدراسة نفسها قدّمت دليلاً مقلقاً؛ فحين فكّكت الإجابات إلى 98.020 ادّعاء، تبيّن أنّ 11% منها غير مدعوم بالصفحات المستشهد بها. تَخيّل أثر ذلك في المعرفة الطبية والشائعات والسياسة والفتاوى.

انتحار معرفي

نماذج الذكاء الاصطناعي التي تخنق الرابط إنّما تقطع الغصن الذي تجلس عليه؛ تلتهم ثمار المعرفة البشرية من صحفٍ وموسوعاتٍ ومدوّنات، وتقطع في الوقت نفسه شريان الزيارة الذي يمدّها بالحياة. وحين تُفلس الصحف وتجفّ ينابيع المحتوى البشري الطازج على الويب المفتوح، لن تجد نماذج الذكاء الاصطناعي ما تتغذّى عليه سوى نتاجها هي. وهنا يلوح خطرٌ رصده باحثون في دورية «نيتشر» عام 2024 تحت اسم «انهيار النموذج» (Model Collapse)؛ إذ تتدرّب الأجيال المتعاقبة من النماذج على بياناتٍ من صنعها، فتبدأ بنسيان أطراف المعرفة ونوادرها، ثمّ تنكمش شيئاً فشيئاً نحو تكرارٍ باهتٍ لا يشبه الواقع الذي انطلقت منه.

إنّه ضربٌ من "الخرف الرقمي"؛ حيث يجتر الذكاء الاصطناعي المعلومات نفسها بلا مدخلاتٍ بشرية جديدة. ولا يعني ذلك أنّ الانهيار قدرٌ محتوم، فالباحثون أنفسهم يرون أنّ تنقية البيانات والإبقاء على روافد بشرية حيّة كفيلان بتفاديه؛ غير أنّ المعادلة العميقة تبقى ماثلة بأن الذكاء الاصطناعي إذا قتل المصدر، فهو بذلك يحفر قبره.

مساحات خاصة

من جهتهم، لم يقف الناشرون موقف المتفرّج من احتضار الرابط، فثمّة هجرةٌ كبرى تجري الآن من الويب المفتوح الذي تحكمه «غوغل» إلى مساحاتٍ خاصّة تتعذّر فيها السرقة؛ النشرات البريدية المباشرة، والبودكاست، والتطبيقات المغلقة، والاشتراكات والعضويات التي تقيم علاقةً مباشرة بين الصحيفة وقارئها بلا وسيطٍ خوارزمي. وقد بلغ هذا التوجّه ذروته حين حذّرت رئيسة مجموعة «كوندي ناست» من أفقٍ تتراجع فيه حركة البحث إلى «الصفر»، معلنةً أنّ غالبية جمهور المجموعة في الولايات المتحدة يصلها محتوى المجموعة مباشرةً دون وسطاء البحث والتواصل. وفي استطلاعٍ لمعهد «رويترز» لدراسة الصحافة عام 2026، توقّع تنفيذيون في قطاع الأخبار أن تتراجع إحالات البحث بنحو 43% بحلول 2029، مع توقّع خُمسهم خسائر تتجاوز 75%. والرسالة هنا واضحة؛ من أراد النجاة عليه أن يحدد جمهوره عبر محتواه، ولا ينتظر جمهوراً يصل إليه مصادفة عبر نقرة.

دليل ثقة

ختاماً، يجب ألا نتعجل الحكم بنهاية الروابط الإلكترونية، وبدلاً من ذلك يمكننا تأكيد أن وظيفته تتبدّل. لكنه مع ذلك يبقى مقصداً رئيسياً موثوقاً لمن أراد التحقّق أو التعمّق أو بلوغ المصدر الأصلي.  وبين راحة المستخدم الذي تأتيه المعرفة مصفّاة إلى سطح مكتبه، وخسارة الناشر الذي يُستهلك جهده دون أن يُزار، يولد سؤال جديد، وهو سؤال لم تَعد تكفي فيه خوارزمية ولا يَحسمه قرار هيئة واحدة؛ مَن يملك المعرفة؟