روح النص.. قضية بـ 1.5 مليار دولار تنتصر للإبداع البشري

القصص التي نقرؤها ليست مجرد صفوف من الحروف، بل هي أثر بيولوجي لتجربة بشرية لا يمكن اختزالها في معادلة رياضية.

حين قررت شركات الذكاء الاصطناعي تغذية نماذجها بإنتاجنا الإبداعي، لم تكن تبني أداة تقنية فحسب، بل كانت تقوم بـ "هندسة عكسية" لعقولنا لبيع نتائجها في سوقٍ بلغت قيمته 161 مليار دولار. واليوم، تقف قضية الـ 1.5 مليار دولار كحاجز قانوني يطرح سؤالاً مباشراً: هل الإبداع حقٌ متأصلٌ في صاحبه، أم أنه مادة خام مشاعة بمجرد أن يراها ضوء الشاشة؟

إن صراعنا الحالي هو محاولة لتعريف حدود "الملكية" في عصرٍ تحاول فيه الخوارزميات مصادرة حق الإنسان في أن يكون المصدر الوحيد للدهشة، خاصة مع التوقعات الصادمة بأن يتجاوز المحتوى المولد آلياً 90% من إجمالي النصوص على الإنترنت بحلول عام 2027، مما يهدد بإغراق الفكر الإنساني في تلوث معلوماتي غير مسبوق.

بينما يرى عمالقة التكنولوجيا أن الأفكار البشرية مجرد "مواد خام"، يقف ديفيد شيلي، الرئيس التنفيذي لدار "هاشيت" للنشر، كحائط صد دفاعاً عن جوهر الإبداع.

إن هذه المعركة ليست مجرد نزاع تجاري، بل صرخة لإنقاذ الإرث الإبداعي في 13 منطقة عالمية تعمل فيها الشركة؛ حيث حققت الدار تحت قيادته نمواً في الإيرادات بنسبة 62%، مستحوذة على 14% من حصة سوق النشر في المملكة المتحدة.

المواجهة القانونية

في يناير الماضي، تدخلت "هاشيت" في دعوى قضائية ضد "جوجل" بدعوى انتهاك حقوق مؤلفيها لتدريب نموذج "جيمناي". وتتجلى شراسة هذه الآلات في قدرتها على "استهلاك" واستيعاب ما يعادل مليون كتاب في بضع ساعات فقط، وهو رقم يتجاوز ما قد يقرؤه البشر في آلاف السنين.

ولحماية إبداعات مؤلفيها، تدافع الدار عن عوائد ضخمة؛ إذ تجاوزت إيرادات الشركة الأم "هاشيت ليفر" لعام 2025 مبلغ 3 مليارات يورو (3.44 مليار دولار).

ويستشهد شيلي بسابقة تاريخية في العام الماضي حين فاز ثلاثة مؤلفين بتسوية قيمتها 1.5 مليار دولار ضد شركة "أنثروبيك"؛ حيث كشفت القضية أن أكثر من 7 ملايين كتاب استُخدمت في التدريب كانت نسخاً مقرصنة.

الحصانة البشرية

تتمسك "هاشيت" بمسافة أخلاقية؛ فهي تستخدم الذكاء الاصطناعي في المهام التشغيلية فقط، وترفض استخدامه "إبداعياً". تؤكد الدار أنها لن تنشر "أبداً" كتباً مكتوبة آلياً، متبنيةً معايير "شهادة المؤلف البشري" التي أطلقتها "رابطة المؤلفين" الأمريكية في عام 2025، و"جمعية المؤلفين" البريطانية في مارس 2026، لتعزيز قيمة "علاوة الإنسان" في عالم يغرق بالمحتوى المصطنع.

يرى شيلي أن حماية الإبداع قضية حوكمة، خاصة في ظل واقع مرير؛ حيث يحصل أقل من 1% من المؤلفين على أي شكل من أشكال التعويض عن استخدام أعمالهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

يحذر شيلي من أن التخصيص المفرط للمحتوى سيخلق "غرف صدى" تقضي على المفكرين الأحرار، مؤكداً أن قانون حقوق النشر الحالي يحتاج فقط لـ "تطور" لضمان قدرة المبدعين على كسب عيشهم وحماية حقوقهم.

الإرث التاريخي

تأسست الدار عام 1826 على يد "لويس هاشيت" في باريس. وتواصل الشركة، المملوكة لمجموعة "لاغاردير" الفرنسية، نجاحها؛ إذ ارتفعت مبيعات مجموعة "هاشيت بوك" بنسبة 7% بنهاية العام الأول لتولي شيلي إدارتها مقارنة بعام 2023، وحققت "لاغاردير" نمواً في الإيرادات بنسبة 3% في عام 2025.

يوازن شيلي بين الإرث والابتكار عبر نهج "الهوس بالعميل"؛ حيث يراهن على الكتب الرقمية، والمنتجات "التناظرية" (غير الرقمية) كبطاقات التارو والقرطاسية الفاخرة، والتوسع في عناوين "الرومانسية الخيالية" المفضلة لدى مجتمع "بوك توك" .

يختتم شيلي رسالته قائلاً: "لدينا قانون خدم البشرية طويلاً، وإذا كان هدفنا أن يتمكن المبدعون من الاستفادة من أفكارهم الإنسانية الأصيلة، فهذا هو المسار الذي سنصل إليه".