الإنترنت لم يعد بشرياً بالكامل.. تصاعد هجمات “البوتات الذكية” يثير قلقاً عالمياً

يشهد العالم تصاعداً حاداً في الهجمات الإلكترونية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مع تحوّل “البوتات” من أدوات آلية تقليدية إلى أنظمة ذكية قادرة على تقليد السلوك البشري وتنفيذ هجمات أكثر تعقيداً ودقة.

وبحسب تقارير حديثة، ارتفعت الهجمات التي تقودها البوتات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بنحو 12.5 مرة خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق. 

أكثر من نصف الإنترنت أصبح آلياً

التقارير الجديدة تشير إلى أن النشاط الآلي بات يشكل أكثر من نصف حركة الإنترنت العالمية، فيما يُصنف نحو 40% من هذا النشاط على أنه “ضار” أو خبيث. 

ولم تعد هذه البوتات تقتصر على إرسال الرسائل المزعجة أو تنفيذ هجمات بسيطة، بل أصبحت قادرة على التفاعل مع التطبيقات والمنصات الرقمية بشكل يشبه المستخدم الحقيقي، ما يصعّب على الشركات التمييز بين الزائر البشري والهجوم الإلكتروني.

موجة جديدة من الهجمات الإلكترونية

التحول الأخطر يتمثل في أن الهجمات الجديدة أصبحت تعتمد على “وكلاء ذكاء اصطناعي” قادرين على اتخاذ قرارات مستقلة، واختبار الثغرات، وحتى تجاوز أنظمة الحماية التقليدية.

وتستهدف هذه الهجمات بشكل خاص واجهات البرمجة (APIs) وأنظمة الهوية الرقمية التي تشكل العمود الفقري للخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية والتطبيقات الحديثة. 

كما حذرت تقارير أمنية من أن الذكاء الاصطناعي بات يُستخدم لإنشاء رسائل تصيّد إلكتروني أكثر إقناعاً، إضافة إلى تطوير هجمات قادرة على تقليد أصوات وصور حقيقية عبر تقنيات “التزييف العميق”. 

الاقتصاد الرقمي تحت الضغط

تمثل هذه الهجمات تهديداً متزايداً للشركات والمنصات الرقمية التي تعتمد على الثقة وسلاسة الخدمات الإلكترونية، فالهجمات الآلية تؤدي إلى خسائر مرتبطة بسرقة البيانات، والاستيلاء على الحسابات، وتعطيل الخدمات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الحماية السيبرانية.

وتشير تقديرات شركات أمنية إلى أن محاولات اختراق الحسابات بعد تسجيل الدخول تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال عام واحد، مع تسجيل مئات الآلاف من محاولات الاستيلاء على الحسابات لدى المؤسسات الكبرى. 

وفي ظل توسع الاقتصاد الرقمي عالمياً، تبدو الشركات مضطرة لإنفاق مليارات الدولارات على تحديث أنظمة الحماية، وتطوير تقنيات قادرة على فهم “نية” البوتات، وليس فقط اكتشاف وجودها.

الإنترنت يدخل مرحلة “الوكلاء”

ما يحدث اليوم يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الإنترنت نفسها، فبدلاً من أن تكون الشبكة مساحة يتفاعل فيها البشر فقط، بدأت “الوكلاء الذكية” تدخل كطرف ثالث ينفذ عمليات شراء، ويجمع البيانات، ويتفاعل مع المنصات بشكل مستقل.

وتشير تقارير أمنية إلى أن بعض البوتات الحديثة لم تعد تكتفي بقراءة الإنترنت، بل أصبحت “تتفاعل” معه فعلياً عبر تنفيذ معاملات وعمليات رقمية كاملة. 

سباق عالمي بين الهجوم والدفاع

ومع تسارع تطور هذه التقنيات، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من سباق التسلح الرقمي، حيث تستخدم الشركات والحكومات الذكاء الاصطناعي للدفاع، بينما يستغله المهاجمون لتطوير هجمات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للكشف.

وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من مستقبل الأمن السيبراني، يرى خبراء أن التحدي لم يعد في “اكتشاف البوت”، بل في فهم ما إذا كان يعمل لصالح المستخدم… أم ضده.