مؤامرة الـــ AI .. هل يخطط الشبح الرقمي لإبادة الرواتب؟

إن مفهوم "الشبح في الآلة" (Ghost in the machine) ليس مجرد عنوان عابر لألبوم فرقة "ذا بوليس" الشهير في ثمانينيات القرن الماضي، بل هو مصطلح فلسفي ضارب في الجذور، صِيغ في عام 1949 للاشتباك مع معضلة وجودية رافقت البشرية لقرون: هل الوعي مجرد نتاج بيولوجي لمجموعة من الخلايا في الدماغ؟ أم أن هناك "شبحاً" غير مرئي يحرك أجسادنا كآلات بطريقة خارقة للطبيعة؟

اليوم، لم يعد هذا النقاش حبيس أروقة الجامعات، بل انتقل إلى قلب النظام الرأسمالي العالمي، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض حضوره كـ "شبح" جديد يسكن تروس الاقتصاد، معيداً إحياء مفهوم "الإنسان المتفوق" الذي بات يهدد بإزاحة الإنسان العادي من معادلة الإنتاج والربح.

تحذيرات من قلب "وول ستريت" يدق جيمس فان جيلين، أحد أبرز المحللين الماليين على منصة "سابستاك" ومؤسس شركة "سيتريني ريسيرتش"، ناقوس الخطر بشأن دخول هذا الشبح إلى الماكينة الاقتصادية.

فان جيلين، الذي اشتهر بدقة توقعاته وتحقيقه قفزة بنسبة 200% في محفظته الاستثمارية منذ مايو 2023، أطلق ما سماه "أزمة الذكاء العالمية".

ويرى أننا لسنا مستعدين لسرعة التغيير الدراماتيكي القادم، حيث يواجه العالم ما يصفه بـ "الناتج المحلي الإجمالي الشبحي" (Ghost GDP). هذا المفهوم يعني نمواً رقمياً في الحسابات القومية، لكنه نمو مفرغ من القيمة الإنسانية، حيث تُنتج الثروة عبر الآلات دون أن تتدفق في عروق المجتمع، ببساطة لأن "الآلات لا تستهلك ولا تنفق دولاراً واحداً على السلع".

محرقة ذوي الياقات البيضاء في مذكرة تحليلية صادمة صِيغت كتقرير من المستقبل (يونيو 2028)، ترسم "سيتريني" صورة اقتصادية مظلمة لواقع "ديستوبي".

تبدأ الحكاية بتبني هجومي للذكاء الاصطناعي من قبل الشركات الكبرى لرفع أرباحها وتقليص نفقاتها. النتيجة الأولية هي أرباح قياسية، لكن الثمن هو "إبادة الرواتب" عبر تسريحات جماعية تستهدف "ذوي الياقات البيضاء" (المهندسين، المحاسبين، المحامين، والإداريين).

هؤلاء الذين يشكلون 50% من القوى العاملة في أمريكا ويدفعون 75% من الإنفاق الاستهلاكي، سيجدون أنفسهم فجأة خارج اللعبة.

ويتوقع فان جيلين أن يؤدي ذلك إلى حلقة مفرغة: الشركات تطرد الموظفين لزيادة الأرباح، فينخفض الإنفاق الاستهلاكي، مما يجبر الشركات على مزيد من الطرد لتعويض الخسائر، في انهيار متسارع بلا كابح طبيعي.

نهاية عصر "الاحتكاك البشري" تعتمد الرأسمالية عبر تاريخها على ما يسميه المحللون "الاحتكاك البشري"، وهو القيمة المضافة التي يقدمها البشر عبر التحليل، الإقناع، والوساطة.

يرى التقرير أن الكثير مما نسميه "علاقات عمل" هو في الحقيقة مجرد "احتكاك بوجه ودود". فعندما يقوم وكيل ذكاء اصطناعي بمقارنة ملايين الأسعار وتنسيق رحلات السفر وإدارة الضرائب في ثوانٍ، فإن شركات مثل "Mastercard" أو تطبيقات التوصيل ستفقد مبرر وجودها في فرض الرسوم. "الاحتكاك يتجه نحو الصفر"، ومع زواله، تزول الحصانة الاقتصادية التي كان يتمتع بها البشر كوسطاء ضروريين.

سيؤدي هذا الانهيار في "علاوة الذكاء البشري" إلى أزمة نظامية تضرب سوق الرهن العقاري والائتمان، حيث ستعجز الفئات التي كانت تُعتبر "آمنة ائتمانياً" عن سداد ديونها نتيجة تآكل دخولهم الهيكلي.

بصيص الأمل: جامعو السياق على الجانب الآخر من هذه النبوءة السوداوية، يبرز تيار يراهن على التكيف البشري. يرى خبراء مثل تانماي غوبال أن 70% من المهام ستبقى بعيدة عن الأتمتة الكاملة لأنها تحتاج إلى "سياق بشري" سائل لا تستطيع الآلات تدريب بياناتها عليه بالسرعة الكافية.

يتحول دور الإنسان هنا من "عامل تنفيذ" إلى "جامع سياق"، كما يراهن البعض على أن مكاسب الإنتاجية ستؤدي في النهاية إلى خفض الأسعار وجعل الرفاهية ديمقراطية ومتاحة للجميع، كما حدث عند اختراع الطعام المجمد الذي أطاح بملايين الوظائف الزراعية لكنه خلق قطاعات اقتصادية جديدة لم تكن تخطر على بال أحد.

تشير التوقعات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على 92 مليون وظيفة بحلول 2030، لكنه قد يخلق في المقابل 170 مليون دور جديد في "اقتصاد بلا احتكاك".

إن المعركة القادمة ليست بين الإنسان والآلة فحسب، بل هي سباق مع الزمن لإعادة تعريف معنى "القيمة البشرية" في سوق لم يعد يعترف بالجهد التقليدي. فهل ننجح في حل اللغز الذي صنعناه بأنفسنا، أم أن "الشبح الرقمي" سيلتهم آخر قلاع الاستقرار المالي البشري؟