أصدقاء وعائلات و«ثرثرة».. الخفافيش تشبهنا أكثر مما نتخيل

حين نفكر في الخفافيش، غالباً ما تكون الصورة الأولى بعيدة تماماً عن الإنسان: كائنات تطير ليلاً، تتنقل في الظلام، وتعيش في عالم يبدو غريباً عنا.

لكن كلما اقترب العلماء من حياتها الاجتماعية وطريقة تعلمها وتواصلها، بدأت تظهر صورة مختلفة تماماً، فالخفافيش، على نحو مفاجئ، تفعل أشياء نعتبرها مألوفة للغاية في عالم البشر: تكوّن علاقات اجتماعية، وتتبادل الطعام، وتتعلم من بعضها، وتحل المشكلات، بل وتغيّر سلوكها عندما تمرض. 

وتقول عالمة الأحياء راشيل بيج، من معهد سميثسونيان للبحوث الاستوائية في بنما، إن أحد أسباب جاذبية الخفافيش للباحثين هو أن كل سؤال عنها يقود تقريباً إلى سؤال جديد، ومن بين أكثر الاكتشافات إثارة أن حياتها الاجتماعية تحمل أوجهاً من التشابه مع سلوكيات نعرفها جيداً نحن البشر. 

أحد الأمثلة اللافتة يأتي من الخفافيش مصاصة الدماء، فبالنسبة إليها، مشاركة الطعام ليست مجاملة اجتماعية، إنما قد تكون مسألة بقاء.

وتوضح بيج أن هذه الخفافيش تعتمد على شبكاتها الاجتماعية، فإذا عاد أحد أفراد المجموعة من رحلة بحث عن الطعام من دون أن ينجح، يمكن لفرد آخر أن يشاركه ما حصل عليه.

والأكثر إثارة أن العلاقة قد تصبح متبادلة، فإذا احتاج الخفاش الذي قدّم الطعام إلى المساعدة لاحقاً، يمكن لمن تلقى منه المساعدة سابقاً أن يردها. 

والتشابه لا يتوقف عند الصداقة والتعاون، فتشير بيج أيضاً إلى اختلاف السلوك بين أنواع الخفافيش وحتى بين الأفراد أنفسهم.

ففي بنما، شاهد الباحثون خفافيش صغيرة آكلة للفاكهة تدخل في مواجهات مع خفافيش أكبر منها. وفي إحدى الحالات، استمر خفاش صغير في تهديد مجموعة من خفافيش أكبر حجماً حتى غادرت الأخيرة المكان، إنها، إن صح التعبير، نسخة طبيعية من ذلك الشخص الذي لا تمنعه فارق الأحجام من خوض المواجهة. 

لكن أحد أكثر أوجه الشبه إثارة يظهر عندما تواجه الخفافيش مشكلة تحتاج إلى حل، فالخفافيش التي تصطاد الحشرات تستطيع العثور على فرائس ساكنة فوق أوراق الأشجار رغم أن هذه البيئة قد تجعل مهمة تحديد موقعها بالصدى أكثر تعقيداً.

وأظهرت الملاحظات أنها تغيّر زاوية اقترابها من الورقة للحصول على صدى يكشف موقع الحشرة، بعبارة أبسط، عندما لا تنجح الطريقة الأولى، تغيّر الخفافيش طريقة تعاملها مع المشكلة. 

حتى العلاقة بين الأم وصغارها تحمل مشهداً يبدو مألوفاً بصورة طريفة، فعندما يحين وقت الفطام أو مغادرة مكان المبيت، تدفع أمهات بعض خفافيش صنع الخيام صغارها جسدياً بأطرافها الأمامية، وكأن الانتقال إلى الاستقلال يحتاج، في عالم الخفافيش أيضاً، إلى دفعة صغيرة من الأم. 

أما عند المرض، فتظهر سلوكيات اجتماعية لافتة أخرى، فالخفافيش مصاصة الدماء يمكن أن تعزل نفسها عندما تمرض، بينما يستمر بعضها في رعاية صغاره رغم تراجع أنشطته الاعتيادية الأخرى.

وربما يكون التواصل هو المجال الذي يجعل المقارنة مع الإنسان أكثر إثارة علمياً، فقد وجد باحثون من جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة كارنيغي ميلون أوجهاً من التشابه بين الدوائر العصبية المرتبطة بإنتاج الأصوات لدى خفافيش الفاكهة المصرية وبين تلك المرتبطة بالكلام لدى البشر.

كما حدد الباحثون عناصر تنظيمية جينية مرتبطة بالتعلم الصوتي لدى البشر وثدييات أخرى، وهو ما يجعل الخفافيش نموذجاً مهماً لدراسة الأصول العصبية والجينية لهذه القدرة.

وفي دراسة منشورة في Science Advances، تابع الباحثون خفافيش الفاكهة المصرية منذ الولادة، ووجدوا أن الصغار التي نشأت داخل مستعمرة اكتسبت الذخيرة الصوتية للبالغين، بينما اختلف تطور الأصوات لدى الخفافيش التي عُزلت صوتياً، أما التي استمعت إلى تسجيلات لخفافيش أخرى، فتطورت أصواتها بما يعكس الأصوات التي تعرضت لها، وهو ما قدم دليلاً على التعلم الصوتي لدى هذه الثدييات الاجتماعية. 

وهنا تتغير صورة الخفاش قليلاً، فنحن لا نتحدث عن «بشر بأجنحة»، وبالتأكيد لا تتطابق سلوكيات النوعين، لكن العلماء يجدون في هذه الحيوانات مجموعة من السلوكيات التي تبدو مألوفة على نحو مدهش: علاقات متبادلة، رعاية للصغار، تعلم اجتماعي، تواصل صوتي، وقدرة على تعديل السلوك عند مواجهة مشكلة أو مرض.

وربما لهذا يستحق الخفاش أن نراه بعيداً عن الصورة التقليدية التي ارتبطت به، ففي حياته التي تجري غالباً بعيداً عن أعيننا، هناك مجتمع كامل من العلاقات والأصوات والتعلم والتعاون.